الخميس، 16 ديسمبر، 2010

ومالم يكن لو كان كيف كان سيكون ...

كَانَ يُمكِنُ أَلاَّ أكُونَ أَنَا مَنْ أَنا
كَانَ يُمكِنُ أَلاَّ أكُونَ هُنَا ...

كان يمكن أَن تسقط الطائرةْ

بي صباحاً،
ومن حسن حظّيَ أَني نَؤُوم الضحى
فتأخَّرْتُ عن موعد الطائرةْ

كان يمكن أَلاَّ أرى الشام والقاهرةْ

ولا متحف اللوفر، والمدن الساحرةْ
 

كان يمكنُ، لو كنت أَبطأَ في المشي 
أَن تقطع البندقيّةُ ظلِّي
عن الأرزة الساهرةْ
كان يمكنُ، لو كنتُ أَسرعَ في المشي
أَن أَتشظّى
وأصبحَ خاطرةً عابرةْ


كان يمكنُ، لو كُنْتُ أَسرفُ في الحلم

أَن أَفقدَ الذاكرة ... 

محمود درويش - لاعب النرد




===






قطعة البازل الأولى:

أثناء خروجنا من المحاضرة يطلب صديقي أن أوصله بسيارتي إلى ميدان المحطة رغم علمه أنه سيكون مزدحماً جداً في هذا الوقت وأني مازلت مبتدئاً في قيادة (المانيوال)، أحاول اقناعه أني لا أريد المخاطرة لكنه يصر ويلح إلى حد عرضه "لو جرا حاجة قول لابوك اديتها لصاحبي يسوقها وهو اللي خبطها!" فوافقت تحت تأثير سيف الحياء
 عندما وصلنا للسيارة فوجئنا بأن أحد اطاراتها قد فرغ من الهواء فجأة في الفترة القصيرة التي استغرقتها المحاضرة . تمتمت بسباب على أخي الذي أصر على الاستيلاء على السيارة الأخرى (الاوتوماتيك) طيلة هذا الاسبوع بحجة أنه يريد البعد عن "وجع الدماغ" أثناء امتحاناته!
تركت السيارة مكانها إلى حين اللجوء إلى ابن خالتي الذي يفهم في هذه الأمور، وعدت إلى منزلي في سيارة صديق آخر




قطعة البازل الثانية :

أمي تخبرني بحلم عجيب حلمته اليوم صباحاً بعد أن خرجنا .. شاهدت طارق زوج ابنة عمي يقود موتوسيكله - مش باحب تعبير (دراجة بخارية) ده! - بسرعة، ثم بعدها فورا شاهدتني وانا أقود سيارتي، ثم استيقظَت وهي تشعر بشعور مقبض غامض .. تمتمت بالدعاء الملهوف لي: ربنا يستر على محمد .. ربنا يستر على محمد
هدأت قليلاً، فأكملت نومها
في العديد من المرات صدقت أحلام أمي أو كانت إشارات لأشياء ما، لكن طبعاً في أغلب الأحيان هي مجرد أضغاث أحلام كأحلام أي شخص .. يبدو أن هذه المرة كذلك




قطعة البازل الثالثة:

أبي يدخل إلى المنزل ووجهه متغير .. يخبرنا أن طارق قد وقعت له في الصباح وهو ذاهب إلى عمله - تقريباً نفس توقيت حلم والدتي؟ - حادث خطير، حيث صدم سيارة وهو يسير مسرعاً فطار في الهواء ثم سقط على وجهة وسقط فوقه الموتوسيكل، وقد أصيب بالعديد من الكسور في عظام وجهه وارتجاج بالمخ وجروح في كل جسده، ويمكث في المستشفى فاقداً الوعي
هذه المرة لم تكن كذلك..!!




قطعة البازل الرابعة:

"الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة"
"لا يرد القضاء إلا الدعاء"




الصورة الكاملة:

الحمد لله .. لقد نجوت .. لا أعرف نجوت من ماذا بالضبط لكني نجوت منه!
شعور غريب أن تدرك فجأة أنك كنت على حافة كارثة محققة أو ربما موت، وتم انقاذك دون أن تعرف حينها أنك أنقذت، بل إنك كنت غاضباً من سبب إنقاذك !
على الأرجح لو كنت أخذت السيارة لتوصيل صديقي كما نويت لكان حدث لي أيضاً ضرر كبير ما، لكن دعاء أمي أوقف ما كان مقضياً .. لست متأكداً تماماً من ذلك، لكن هذا هو أغلب ظني من ما توحي به كل قطع البازل هذه

الله فقط هو من يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان سيكون .. لو لم يفرغ إطار سيارتي من الهواء كيف كان سيكون؟

التفكير في فرضيات الحياة البديلة بأسلوب what if ? يدير الرءوس حقاً ..

بعد الثانوية العامة كنت مع والدي نضع ملصقات التنسيق فوضعنا طب أسيوط ثم صيدلة أسيوط .. رأت والدتي ما فعلنا فاعترضت وقالت أن علينا وضع طب المنيا كرغبة ثانية، أخبرناها أني لا أريد الغربة، وأيضاً أنه لا يمكن نزعها بعد ان ألصقناها، لكنها أصرت "ملكش دعوة أنا هشيلها بمعرفتي" وهو ما كان ودخلت طب المنيا لأول سنة فقط ثم عدت إلى أسيوط .. هكذا في لحظة واحدة تغير مصير حياتي كله من صيدلة إلى طب .. لو لم ترى والدتي ما فعلنا، أو لو طاوعتنا وتركت صيدلة الرغبة الثانية كيف كان سيكون؟

عشرات الأمثلة الأخرى أتذكرها في حياتي ودائماً السؤال: كيف كان سيكون؟

كان سيكون الأسوأ لولا "الدعاء ينفع مما نزل ....."، أو الأفضل لولا "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه"، مع ملاحظة أن الأفضل والأسوأ هنا هما مصطلحان غامضان جداً، نسبيان جداً لو نظرنا لهما في ضوء "وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون" و "فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً"

بل ربما في الكثير من المواقف العابرة في حياتي لم أشعر أن السؤال مطروح أساساً، كثيراً ما تكون معلوماتي مقتصرة على قطعة بازل واحدة فقط لا توحي بالصورة الكاملة .. لولا ما حدث بعد أن عدت إلى المنزل لظل كل ما أحمله هو انطباع السخط لما حدث لسيارتي فقط لا غير دون أن أفكر أبداً في أي شيء آخر .. هذه المرة وجدت باقي القطع، لكن في مرات أخرى كثيرة ربما لم أرى إلا قطعة واحدة فقط لم تعني لي أي شيء بينما هي تعني كل شيء ...

لن أعرف أبداً إن كان العديد من الأحداث التي حدثت وتحدث في حياتي مرتبطاً بدعائي ودعاء من يدعون لي إن كان خيراً، أو مرتبطاً بمعصيتي إن كان شراً، ولن أعرف أبداً أصلاً في حينها إن كان هذا خيراً أم شراً، ولن أعرف أبداً ما لم يكن لو كان كيف كان سيكون، لكني اعرف جيداً أن ما عليّ هو الدعاء طلباً للرحمة ممن رحمته وسعت كل شيء، ثم الحمد على القضاء من العادل ذو الحكمة البالغة التي أؤمن بوجودها رغم أني لن أفهمها أبداً لأنها أكبر من فهمي ....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق