السبت، 28 يوليو، 2012

بين حركة الجيش الثورية والثورة الشعبية الإصلاحية





عندما سارت الدبابات في شوارع القاهرة في يناير 2011 بينما جموع الشعب تحيطها وتهتف بحماس (الجيش والشعب إيد واحدة) بدا وكأن ستون عاماً من الزمن قد تم اختصارها لنستعيد مشهد هتاف الشعب حول دبابات جيش  23 يوليو (عاش القائد العام) (عائت حركة الجيش)، لكن هل حقاً يكفي هذا المشهد لمقاربة حقيقية؟ هل حقاً هؤلاء العسكر هم نفس العسكر وهذا الشعب هو نفس الشعب؟


بين عسكر 23 يوليو وعسكر 25 يناير

كان عسكر 23 يوليو في مجملهم من أبناء الطبقة الوسطى المصرية، هذه الطبقة التي كانت دائماً عماد الحركة السياسية والشعبية، كانوا قادمين من قلب شعبهم حاملين آماله وطموحاته وإحباطاته وحتى اختلافاته، لذلك كان الضباط الأحرار من كل الاتجاهات السياسية، الإخوان كعبدالمنعم عبد الرءوف، والشيوعي كأحمد حمروش وخالد محيي الدين، والليبرالي كزكريا محيي الدين، وفي مجملهم هم أبناء تجارب وطنية كمحمد نجيب الذي فاز في انتخابات نادي الضباط ضد رغبة الملك، أو عبدالناصر الذي حوصر في الفالوجة في حرب فلسطين، او السادات الذي شارك في اغتيال أمين عثمان ودفع ثمن ذلك فترة من الفصل من الجيش بما تبع ذلك من فقر وعوز.

أما عسكر 25 يناير فهم الجنرالات كبار السن المعزولين تماماً عن شعبهم حتى بالمعنى الحرفي للكلمة - يسكنون في (كومباوندز) راقية معزولة سواء في القاهرة أو في الساحل الشمالي! -  لم نعرف لأحدهم أبداً أي نشاط سياسي أو أي آراء في أي شأن عام، هم أبناء سياسات الرؤساء الثلاث في عزل الجيش تماماً عن الحراك السياسي والمجتمعي لعلمهم بأنه عنصر القوة الأهم في الدولة المصرية، كأن الجيش كان الباب الذي دخل منه عسكر يوليو إلى السلطة ثم حرصوا على ان يغلقوه من خلفهم تماماً!
وبالتوازي مع سياسة عزل الجيش عن الشعب كان يتم إنشاء شبكة مصالح الجيش المستقلة الهائلة، فشهد الجيش تغولاً هائلاً في الهيئات المدنية الاقتصادية التابعة له من مصانع ومزارع وحتى محطات بنزين وفنادق، كما تم إقرار قاعدة أن الرتب الكبيرة في الجيش يتولون بمجرد تقاعدهم مختلف المناصب القيادية المدنية في الدولة بدءاً من المحافظ وحتى رئيس جهاز محو الأمية!

لذلك كان جيش 23 يوليو هو الأقرب للحس الشعبي وسرعة الاستجابه له، بل كان هو المبادر للحركة قبل الشعب نفسه، بعكس جيش 25 يناير بطيء الحركة صعب الاستجابة الأقرب لكونه جيش حكام الشعب لا جيش الشعب!




بين شعب 23 يوليو و شعب 23 يناير

شعب 23 يوليو هو الشعب المفعول به، الشعب الذي تحرك الجيش بالنيابة عنه ثم احتكر السلطة واحتكر الحديث باسم هذا الشعب نفسه، فالسلطة تقرر أن الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب ثم يكون للسلطة وحدها حق تحديد من هو الشعب ومن هم اعداء الشعب .
هو الشعب الموجه دائماً بفضل وسائل غسيل العقول الهائلة التي لم تتوفر لنظام في مصر كما توفرت لنظام يوليو، كل الصحف والإذاعة والتلفزيون والمغنيين والممثلين، الكل يروج لمشروع واحد في اتجاه واحد، وفي غياب تام لأي صوت آخر.

أما شعب 25 يناير فهو الشعب الفاعل، الشعب الذي يهتف بنفسه قائلاً أنه (يريد) كذا، الشعب الذي سبق الجميع، سبق جيشه وكل نخبه السياسية وحتى توقعات عالمه أجمع، وساعد على ذلك أن عهد احتكار الصوت قد انتهى إلى الأبد، فقد منحت التكنولوجيا من انترنت وقنوات فضائية وهواتف محمولة أفقا واسعاً لغاية في توصيل المعلومات خارج إعلام السلطة الرسمي، وفي تنظيم التحركات المعارضة، فالآن يمكن في بضعة أيام فقط تنظيم مظاهرة كبيرة عبر (ايفنت) على (الفيس بوك) يحتشد لها الكثير ممن لا يعرف منظموالمظاهرة عنهم أي شيء، بعكس الوضع سابقاً عندما كان الإبلاغ يتم بشكل فردي شخصي بحت.

وفي كلا الحالتين كان الشعب هو ذلك المسكين المتعب، الذي أرهقه نهب الإقطاعيين في الأولى، وفساد رجال الأعمال المحتكرين في الثانية، والذي غضب للإهانة الوطنية التي تعرضت لها بلده بهزيمة حرب فلسطين في الأولى، أو بانبطاح سياسة مبارك لأمريكا وإسرائيل في الثانية.



بين أعداء شعب 23 يوليو وأعداء شعب 25 يناير

لم يختلف اعداء الثورتين في جوهرهم وإن اختلفوا في صورتهم، فحل رجال الأعمال الذين جمعتهم شبكات مصالح هائلة مع رجال النظام القديم ومع القوى الدولية بممثليها من الشركات متعددة الجنسيات محل الإقطاعيين القدماء بما جمعهم أيضاً من مصالح مع رجال الملك ومع القوى الاستعمارية، هذه القوى التي بدلت شكل احتلالها من الاحتلال العسكري المباشر في الماضي إلى الاحتلال الاقتصادي والسياسي المستتر في هذا العصر.




بين عالم 23 يوليو وعالم 25 يناير

كان عالم ثورة يوليو عاملاً مساعداً لها، فهو العالم متعدد الأقطاب الذي يمكن استغلال تناقضاته لإيجاد حيز من الاستقلال وحرية الحركة لدى الدول النامية، وهكذا كان بإمكان عبدالناصر القيام بمناورات كلجوئه للاتحاد السوفيتي لتمويل مشروع السد العالي بعد رفض البنك الدولي أو كعقده صفقة الاسلحة الشرقية بعد رفض الغرب بيعه له.

بينما عالم ثورة يناير هو عالم أمريكا القطب الواحد، عالم الهيمنة الغربية الكاملة، رغم محاولات الصين وروسيا ايجاد شروخ في هذا الصرح فمازال من الصعب الفكاك منه.



بين قيادة 23 يوليو وقيادة 25 يناير

ربما كان هذا هو سبب الاختلاف الأبرز بين مساري الثورتين، فثورة يوليو وصل قادتها إلى الحكم فوراً ليكونوا في موضع مسئولية تنفيذ شعاراتهم، وهكذا كان قادة الثورة هم أنفسهم حكام البلد وهم أيضاً رموزها!

أما ثورة يناير فكانت بلا قائد محدد، لعب السلوك الجمعي للشعب كله هذا الدور، ولكن رغم كون هذا وضعاً ممتازاً للعمل الميداني فلا أحد يملك إعطاء الأمر بفض الميدان وإنهاء الثورة، فقد كان وضعاً سيئاً للعمل السياسي ، ففي غياب قادة للثورة تسلم الحكم جزء من النظام القديم هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن بعده عبر الانتخابات تسلمه جزء من المعارضة القديمة، بينما على صعيد آخر تمكنت الثورة من إفراز رموزها الخاصة المستقلة تماماً عن هذه المنظومة، وهكذا فرضت الثورة على الفضاء العام أسماءاً كوائل غنيم ومينا دانيال والشيخ عماد عفت وأحمد حرارة ....الخ



بين ثورية 23 يوليو وإصلاح 25 يناير!

كانت ثورة يوليو - رغم أن إطلاق هذا الاسم عليها اتى متأخراً، وكانت تعرف باسم (حركة الضباط) او (الحركة المباركة) - ثورة حقيقة على كل الأصعدة أدت لقطيعة كاملة مع ما قبلها، تم تغيير الطبقة السياسية الحاكمة تماماً بكل مكوناتها من ملك وأحزاب موالية وأحزاب معارضة، تم تغيير السياسات الاقتصادية لتصبح منحازة للعمال والفلاحين والطبقة الوسطى وتم سحق الاقطاعيين بأشد الوسائل جذرية، ثم تغيير السياسات الخارجية لتتحول مصر المحتلة إلى الدولة القطب الحاضنة لحركات التحرر الأفريقية والعربية.

بينما تبدو ثورة 25 يناير حتى الآن إصلاحية بامتياز، لم يتغير واقعياً إلا أقل القليل، ومازالت مكونات النظام القديم لم تراوح مكانها إلا بنظام الكراسي الموسيقية ، المعارضة القديمة الإخوانية والمدنية تأخذ مجالاً أكبر قليلاً، (القلب الصلب) للدولة أي الجيش تتراجع مكانته قليلاً، وبالمثل رجال الأعمال مع احتفاظهم بمميزاتهم الهائلة، مصر الخارجية مازالت حليفة أمريكا وإسرائيل والخليج وعدوة إيران، مازال الشباب يتظاهرون للإفراج عن رفاقهم المعتقلين، ومازال العمال الفقراء يعتصمون من أجل حقوقهم .
مازال الطريق طويلاً ..




................




(*) تم نشر هذا المقال بعد اختصاره على موقع مجلة (بص وطل) :
http://www.boswtol.com/politics/reports/12/july/23/62619

الفائز الأكبر في انتخابات الصعيد


"هو الحكومة إيه غير ناس معاها سلاح؟. إحنا ناس أكتر ومعانا سلاح أكتر!".
بهذه البساطة والبلاغة عبر أحد أصدقائى من سوهاج عن جوهر النظرة الندية للمجتمع فى الصعيد إلى الدولة، هذه الدولة الحديثة التى عَرَفها عالم الاجتماع الألمانى الشهير ماكس فيبر تعريفا قريبا من تعريف صديقى بأنها (المؤسسة الاجتماعية التى تحتكر العنف)، ولأن المجتمع فى الصعيد مازال محتفظا بكثير من أسباب قوته الداخلية، كالروابط العائلية العشائرية الواسعة، والاعتزاز بحمل السلاح، والحرص الشديد على حفظ الكرامة، واعتبار إهانة الفرد إهانة للمجموع... إلخ، مازال المجتمع يحتفظ بقوة يمكنها التفاوض مع قوة الدولة، لا الخضوع الدائم المستكين لها.

أفكر فى هذا بينما أسمع مرارا من أصدقائى فى القاهرة، وأحيانا من أصدقائى فى مدينة أسيوط التى لا تختلف كثيرا عن القاهرة الحديث باستنكار شديد عن هؤلاء (المتخلفين) الذين يجب أن تخضعهم الدولة بفرض كامل سيطرتها وإرادتها بكل حزم وشدة، حدث هذا أثناء مظاهرات واعتصام قنا رفضا للمحافظ، وتكرر مؤخرا بعد مظاهرات رفض التزوير لعبدالرحيم الغول فى الانتخابات.

أفكر فى أنه لماذا يعتبر الجميع أن الدولة الحديثة هى الإجابة الأصوب دائما؟ من قال إنه ليس لها عيوب قد لا تقل عن عيوب الحفاظ على قوة المجتمع التقليدى؟

ينقل اللبنانى محسن عامر فى سياق حديثه عن سر صمود حزب الله قول الكاتب الكندى من أصل إيرانى داريوش رجالى: يجب ألا نتصوّر أن كل ما هو حديث يصبح ـ بالتعريف ـ أكثر فعالية ونجاعة مما هو تقليدى.

يقارن داريوش بين حروب إيران قبل (النظام الجديد) وبعده، والنظام الجديد هو اسم مشروع تحديث الدولة على النمط الأوروبى، قبل النظام الجديد كان الشّاه يواجه عدوا خارجيا فيحشد جيشا يشبه كرنفالا من القوميّات، كل مقاطعة ترسل رجالها: من الصّحراء فرسان البختيار مرهوبو الجانب، ومن الجبال ينزل أغوات الأكراد على رأس رجالهم، ومن الشرق مقاتلو البلوش الأشداء والقبائل المحاربة الأفغانيّة. إذا هُزم جيش الشاه كانت هذه الأقوام تعود ببساطة إلى ديارها النائية، حيث تخوض حربا واسعة النطاق طويلة الأمد تمنع العدو ـ حتى لو احتل العاصمة ـ من تحقيق أى سيطرة حقيقية على البلاد، فضلا عن فرض الضرائب عليها أو استغلال مواردها.

لكن بعد تطبيق (النظام الجديد) صار على بريطانيا أو روسيا، ببساطة، أن تهزم جيش الشاه فى معركة فاصلة ـ تستغرق دقائق أو ساعات ـ وتحتل العاصمة، فتستعمر البلاد بالكامل!

فى ضوء هذا نفهم لماذا كان دائما الصعيد ـ الأقل تحديثا ـ هو الأكثر مقاومة وصمودا، منذ الحملة الفرنسية التى بمجرد هزيمتها جيش المماليك فى موقعة إمبابة دخلت القاهرة بلا مقاومة تذكر، وتوغلت حتى بنى سويف حيث بدأت مقاومة الأهالى العنيفة بدعم من تنظيم مراد بك، واستمرت مقاومة الصعيد عشرة أشهر حتى صالح الفرنسيين مراد بك على أن يظل هو حاكم المنطقة مقابل أن يدفع لهم ضريبة، أى أن الاحتلال الفرنسى فى الواقع اقتصر على شمال مصر فقط.

●●●

لكن قدوم محمد على بعدها بمشروعه لإنشاء (الدولة الحديثة) على النمط الغربى أدى لتفكيك هذا المجتمع عبر احتكار الدولة لوسائل الإنتاج وهى الأراضى الزراعية هنا، واحتكارها للقوة عبر إدخال نظام التجنيد الإجبارى للمرة الأولى وقصر حمل السلاح على القوات النظامية فقط، لذلك لم يكن عجيبا أن يتمكن الإنجليز بعدها من غزو مصر كلها بلا مقاومة بمجرد هزيمتهم لجيش عرابى فى التل الكبير، فلم يعد المجتمع القوى الذى قاوم الغزو الفرنسى موجودا، لقد قضى عليه تحديث محمد على!

لماذا لم نسمع عن حالات موت تحت التعذيب فى أقسام الصعيد؟ لماذا لم تجرؤ قوات الأمن على إطلاق الرصاص على المظاهرات أثناء الثورة؟ لماذا لم أر هنا أبدا أمين شرطة يوقف سيارة أجرة ليطلب ببجاحة 50 جنيها لأن «الباشا عايز يفطر»؟

لأن علاقات القوة بين الدولة والمجتمع مختلفة تماما، كلاهما ند للآخر، وكلاهما يتفاوض مع الآخر، ولنتذكر أن الإرهاب فى الصعيد لم ينته إلا بمساعدة بعض العائلات الكبيرة التى تحالفت مع الداخلية ليصل الطرفان إلى اتفاق ضمنى بمقتضاه تنازلت الدولة عن جانب من حقها القانونى فى منع تجارة المخدرات والسلاح، مقابل تنازل المجتمع عن جانب من أعرافه بحماية أبنائه والثأر لهم ـ خاصة أن الإرهابيين خرجوا على مجتمعهم أيضا لا على الدولة فقط ـ بل وصل البعض كعزت حنفى فى أسيوط ونوفل فى نجع حمادى إلى القبض بأنفسهم عليهم وتسليمهم.

وعلى الجانب الآخر لماذا لم تتوجه مظاهرات الصعيد نحو الأقسام وتحرقها رغم أن الأمر هنا سيكون أسهل بكثير؟

لأن الأقسام هنا لا تحتل نفس مكانة القمع للمجتمع بنفس القدر الموجود فى الشمال، وظهر هذا بوضوح أثناء الثورة فحتى عند توجه الناس لبعض الأقسام لإحراقها اكتفى الضباط بإبعادهم بالعصى وقنابل الغاز فقط، بل إنه فى إحدى الحالات ما إن عرف مأمور القسم بأسماء محركى المظاهرة حاملى المولوتوف حتى أرسل لكبار عائلاتهم وجعلهم وسطاء لإرضاء المتظاهرين بحل مشكلة تخصهم عند المجلس المحلى، فتم فض المظاهرة وديا!

ودائما كانت مظاهرات الصعيد فى المدن، والراغبين فى المشاركة من أهل القرى يأتون للمدن، ليس فقط للغياب التام للإعلام بل أيضا لغياب مظاهر الدولة التى سيتظاهرون ضدها.

المجتمع قد يلتف على قوانين الدولة بأشكال تبدو صادمة للغريب، مثلا عند رفع سن زواج الفتيات إلى 16 عاما كان الناس يلتزمون بذلك، لكنهم لم يعودوا يطيقون صبرا بعد رفعه مرة أخرى إلى 18 عاما، لذا كان الحل أن يكتفى الأهل الواثقون ببعضهم بكتابة عقد زواج عرفى، ثم بعد أن تصل الفتاة إلى السن يقومون بتوثيقه عند المأذون!

وفى المقابل الدولة أيضا تلتف بنفسها على قوانينها، مثلا أعرف فى بلدى عائلة شهيرة بتجارة المخدرات، وعندما يقرر الأمن تجريد حملة لملاحقتهم يهربون إلى التضاريس الصعبة خلف البيوت حيث الأراضى الزراعية الواسعة ثم الصحراء الأوسع ثم جبل أسيوط الذى كان فى وقت ما ملجأ آمنا للإرهابيين، وبدلا من مطاردتهم تكتفى الحملة بمصادرة ما تجده فى المنزل من سلاح غالى الثمن، ومصادرة سيارتهم الربع نقل، وهكذا تتماهى الدولة تماما مع المجتمع، فهى تلغى قانونها لتتعامل بقانون المجتمع فى العقوبات العرفية المالية!

●●●

الوضع الحالى غير مقبول أبدا، لكن البديل ليس بالضرورة سحق المجتمع وتفكيكه، الدولة الحديثة على النمط الغربى اختراع جديد طبقه محمد على لم يتجاوز عمره فى مصر قرنين من الزمان، بينما المجتمع سابق عليها بآلاف السنين، لا يمكن أن يلغى اللاحق سابقه العريق المتجذر فى الأرض والنفوس بهذه السهولة، ولكليهما مزايا ضخمة وعيوب كارثية، فهل يمكن أن يتأثر أحدهما بالآخر ليخرج لنا منهما طريق ثالث أكثر توافقية يستعين بالمجتمع لضبط انحرافاته بنفسه بمساعدة الدولة؟

الإجابة هى: نعم، يمكن ذلك، وما أسفرت عنه الانتخابات هو خير دليل، فقد كان البعض يتوقع أن تكون انتخابات الصعيد كارثة، تسيل فيها الدماء أنهارا، ويكتسح فيها الفلول المقاعد، لكن الواقع أثبت الخطأ التام لهذا، فالانتخابات تمت بسلام بلا أى ضحايا، وللمرة الأولى صوت جانب كبير من الناس على أساس سياسى وطنى، إلى حد أن جميع أصدقائى النوبيين صوتوا لمحمد العمدة المرشح الثورى رغم أن منافسه مرشح الإخوان كان نوبيا، وهكذا كانت لحظة إعلان فوزه هى أيضا لحظة إعلان الفوز الأكبر للمجتمع فى هذه الجولة من معركته ضد التعصب العشائرى أو الدينى الأعمى.

وتظل قصة عبدالرحيم الغول نموذجا لافتا، فالرجل ذو العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية الضاربة فى عمق النظام، تلقى هزيمة ساحقة فى كل أرقام الفرز حتى فى قريته نفسها، ثم فوجئ الناس فجرا بإعلان دخوله الإعادة بحجة وصول صناديق جاءت متأخرة وبالصدفة كلها بلا أختام!

ثار الناس وملأوا شوارع نجع حمادى بالمظاهرات، وتم غلق طرق القطارات والسيارات لفترة محدودة ـ يضطرون لهذا الفعل آسفين لأنها الطريقة الوحيدة التى تجعل الإعلام يبدأ فى الالتفات لهم ـ واستمروا فى التظاهر والاعتصام أمام مقر مجلس الدولة حتى صدر الحكم التاريخى بإلغاء الانتخابات وإعادتها فى 14 يناير، ليكون أبلغ رد على التناول الإعلامى المتحيز والمضلل كعنوان موقع الإهرام (أنصار المرشحين الخاسرين بقنا يقطعون السكة الحديد)!

واللافت للنظر هنا أن المظاهرات والاعتصامات لم يكن فيها أى مظهر للتمييز العشائرى أو الدينى أو حتى السياسى ـ لم يرفع أنصار مرشح الإخوان الخاسر بالتزوير شعاراتهم ـ بل فقط شعارات موحدة للجميع مثل (لا للفلول) (لا للتزوير)، وأيضا لم يلجأ أى شخص إطلاقا لاستخدام السلاح، وفتح السكة الحديد تم بتفاوض مع الناس وإقناعهم لا بالحل الأمنى لإجبارهم.

الصيغة التوافقية بين المجتمع الصعيدى والدولة تبدو الآن أقرب من أى وقت مضى، يمكن البناء على خلفية ما حدث فى الانتخابات لتثوير المجتمع بأدوات من داخله، يمكن للدولة مثلا دعم دور واسع النطاق لشيوخ الأزهر أو شيوخ الصوفية ذوى التأثير الكبير، ولمجالس عرفية من كبار العائلات للوصول لتعهدات شرف بخصوص بعض الأمور كتجارة المخدرات والاستخدام غير المبرر للسلاح، مع إقرار حق الدولة فى تنفيذ العقوبات القانونية لمنتهكى ما يتم الاتفاق عليه.

كما يمكن تعديل بعض القوانين كجعل سن زواج الفتاة أصغر مشروطا بالكشف الطبى الإجبارى للتأكد من مناسبة ذلك صحيا، وتعديل قانون حمل السلاح لجعله أكثر تساهلا ـ بحدود بالطبع ـ مع حامليه لحماية حيازتهم من الأراضى، ولنتذكر هنا أن المجتمع الصعيدى بطبعه يضبط سلاحه بنفسه ويشهد على ذلك أن حالات قتل الأبرياء نادرة جدا، ولنتذكر أيضا أن حمل السلاح فى أمريكا أكثر الدول حداثة مسموح به لأى مواطن!

الدولة ليست إلها قوانينه شرع مقدس لا يُرد، إشراك المجتمع فى إدارة شئونه، واحترام خصوصيته، وتفاوض الدولة معه، ودعمها لآليات من داخله لتغيير سلبياته ليس عيبا أو حراما، فقط ثوروا على الأحكام المسبقة فى عقولكم كما ثرتم على مبارك فى أرضكم.


.......................
(*) تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق بتاريخ 16 - 1 - 2012

الاثنين، 5 ديسمبر، 2011

عن شارع عيون الحرية وشوارع أخرى








عندما عرف محمد قيمة كون شكله "نضيف وابن ناس" 

حين شاهد محمد حامد مشاهد الضرب والسحل والقتل على التلفزيون، قرر فوراً النزول للمشاركة في إسعاف المصابين بحكم تدربه في الهلال الأحمر، لكنه لم يتوقع أبداً  أنه سيكون في جانب المسحولين أيضاً!

محمد طالب في كلية الهندسة، ناشط منذ أربعة سنوات في المجالات التنموية لا السياسية، يعمل في جمعية (عشانك يا بلدي) التي تساعد الفقراء في منطقة عزبة أبوقرن العشوائية، كان يأمل أن تغير الثورة من حالهم أو على الأقل أن تحدث طفرة كبيرة في العمل الأهلي لكن لم يتغير أي شيء.
سابقاً كان محمد يؤمن بأن الطريق الوحيد للإصلاح في مصر هو التغيير التدريجي جداً البطيء جداً في عمق المجتمع، إلى ان تغير ذلك بدخوله في دفعة 2010 (مدرسة نماء) التابعة لجمعية (نهضة المحروسة) المختصة بتدريب الناشطين في المجالات التنموية حيث تعرف بصديق جديد أقنعه هو وكل زملائه بأنه لا بديل عن ثورة تغير النظام من جذوره وأن هذا ليس حلماً مستحيلاً أكثر من استحالة الاقتصار على التغيير البطيء من الأسفل فقط، وانه ربما يكون حلماً قريباً سيشاركون هم أنفسهم فيه . فيما بعد سيعرف محمد أن هذا الصديق أصبح أحد أفراد فريق أدمنز صفحة كلنا خالد سعيد وشارك بالفعل في تحقيق الحلم.

عندما وصل محمد إلى شارع محمد محمود تقدم حتى وصل إلى أقرب مستشفى ميداني من خط النار في شارع جانبي من محمد محمود مرافقاً لثلاثة أو أربعة أطباء هم فقط من اقتربوا إلى هذا الحد، انهمك محمد قدر استطاعته في اسعاف هذا العدد الهائل من المصابين، وفجأة قام العساكر بهجوم عنيف فتراجع الثوار بشدة وتجاوز العساكر فتحة شارع المستشفى، ثم انتبهوا لهم بعد قليل فاقتحموا المكان محطمين كل ما تطاله أيديهم من أدوات طبية، وضاربين كل من تطاله عصيهم وأحذيتهم حتى الأطباء والمصابين!

انتبه محمد هنا لأن معهم في نفس المكان بثينة كامل، وأنها تصرخ معرفة إياهم بنفسها . أجرى ضابط كبير اتصالاته فأتاه الأمر بإطلاق سراحها فقط لكنها رفضت بإصرار أن ترحل إلا مع كل مرافقيها، فاحتجزوها في مكانها مع الطبيبات - وسيتم نقلهن بعدها للوزارة حيث سيحدث ما حكته من قول مساعد الوزير لها بفخر "أنا فلول" وقول آخر "حبيب العادلي ده حبيبي"! - بينما تم سحل كل الباقين وعددهم حوالي الثلاثين بما فيهم المصابين إلى كشك خشبي بمدخل وزارة الداخلية، حيث أخذوا أسمائهم واستولوا على كل ما معهم وهم مستمرين في سبهم وضربهم بقسوة، ثم تم نقلهم إلى قسم عابدين حيث استقبلهم مخبر يصيح "مادام دخلتو القسم محدش هيتعرضلكو تاني، هنا حقوق إنسان وإحترام قانون ... يللا يا ابن الـ (......) منك ليه كله وشه للحيط!!"
المخبر كان مقتنعاً فعلاً بما يقول، فبمفهومه مادام لم يضربهم فهذا هو قمة التعامل الإنساني واحترام القانون حسب تعليمات الوزارة الجديدة!

هنا بدأ محمد أخيراً ينظر جيداً لمرافقيه ومنهم من كان في الزنزانة قبل قدومهم، طفل صغير يبكي بفزع، شاب فقد عينه تماماً ووجهه غارق في الدماء، رجل كبير السن ملتح مصاب برصاصة مطاطية في قدمه، شاب تحول ظهره إلى مصفاة دامية من كثرة الخرطوش الذي تلقاه فيه .. يصرخ محمد مطالباً الضباط والمخبرين بمساعدة الجرحى لكنهم جميعاً يتجاهلونه تماماً . المصاب في ظهره يفقد وعيه من كثرة ما نزف فيتبرع أحد العساكر وقد رق لحاله بإحضار ماء وسكر، هذه هي المعونة الطبية الوحيدة التي سيتلقونها هنا حتى يخرج محمد!

بعد ساعات طويلة جاء ضابط يطلب ممن سيناديهم الاستعداد للخروج، اختار فقط من يبدو عليهم أنهم "ولاد ناس وأشكالهم نضيفة"، حتى أنه انتقى شاباً ونظر بشك لهيئته ثم عندما عرف أنه سائق موتوسيكل ديلفري أعاده لمكانه - ربما هو أحد الأبطال المجهولين الذين خاطروا بحياتهم لنقل المصابين على موتوسيكلاتهم، تلك الموتوسيكلات التي رأى العالم كله الضباط يشعلونها بحقد! - فقط طلاب الجامعات أبناء الطبقة المتوسطة وعددهم عشرة هم من خرجوا، بينما بقى كل الذين "أشكالهم غلط" بما فيهم المصابين، ولا يعرف محمد شيئاً عن مصيرهم حتى الآن، ربما كان المخطط لو نجح الأمن في سحق المظاهرات أن هؤلاء هم من ستظهر صورهم في الصحف وعلى التلفزيون بجوار المضبوطات بصفتهم البلطجية الذين نالوا احكاماً عسكرية رادعة! 
بينما محمد في طريقه لمنزله يفكر في ما كان سيحدث له لو كان "شكله غلط" فيشعر بالرعب، ويحمد الله على نعمته عليه.










الإصابة الأكثر إيلاماً لعلي

أثناء معركة - أو مذبحة! - شارع محمد محمود كلمني أحد أصدقائي ليخبرني بإصابة صديقي العزيز علي الرَّجال بالخرطوش في رأسه ووجهه وصدره، ووجوده حالياً بمستشفى القصر العيني، سألت بلهفة: عينه جرالها حاجة؟ فطمأنني بأن عيناه سليمتان بحمد الله، فشعرت بارتياح وفرحة كبيرة، ثم فكرت في مدى بشاعة المدى الذي أوصلونا إليه، لقد أصبح خبر إصابة صديقي خبراً مفرحاً مادام لم يفقد بصره أو حياته!

علي نموذج مثالي لـ (ابن الناس الكويسين) كما يطلقون عليهم، مهذب جداً، محترم جداً، صوته المنخفض دائماً وأسلوب حديثه الراقي للغاية أصبح نادراً في هذا الزمان، ربما لهذا علاقة بأسرته ذات المستوى المادي والإجتماعي المرتفع، وذات الأصول الأرستقراطية، فجده الباشا كان سكرتير حزب السعديين في عهد ما قبل ثورة يوليو. 
علي خريج كلية الهندسة، نال شهادته بناء على رغبة أهله ثم التفت بعدها لما يرغب هو فيه، فدرس العلوم السياسية حتى وصل إلى تحضير الماجستير فيها من النمسا، كما أصبح أهم مساعدي العظيم د.حسام تمام - رحمه الله، توفى منذ شهر - في وحدة الدراسات المستقبلية بمكتبة الأسكندرية التي قامت بدور كبير في تنظيم ندوات ودورات التوعية السياسية بعد الثورة . في آخر لقاء لي بعلي قبل إصابته كان يحكي بحزن ومرارة واضحين على وجهة عن المصاعب التي تواجه عملهم في المكتبة وخفض ميزانية وحدتهم الضئيلة أصلاً من الإدارة التي يتقاضى كبارها عشرات الآلاف شهرياً وكانوا مقربين من سوزان مبارك وأصبحوا الآن يتحدثون باسم الثورة "لو مؤسسات الدولة فيها فلول إحنا عندنا إدارة المكتبة دي أم الفلول" . شارك علي في ثورة صغيرة قام بها العاملون بالمكتبة لتطهير الإدارة، لكن خذلهم الجميع، وتوصلوا في النهاية لحل شكلي لم يغير أي شيء جذرياً، والآن هناك من يخبر علي بأن الإدارة لن تجدد عقده بمجرد نهاية مدته. 
لكن لعلي - ابن الناس الكويسين - وجهاً آخر ..! 
يحكي علي عن وقوفه في مقدمة مظاهرات يوم 25 في بلده الأسكندرية، وتوجيهه الناس لعدم الوقوف مكانهم كالعادة والإصرار على اختراق صفوف العساكر، توقفه عن هتاف "سلمية سلمية" بمجرد بداية ضرب العساكر لهم بالعصي ثم قنابل الغاز والرصاص المطاطي والخرطوش ثم الرصاص الحي الذي أسقط أحد أصدقاءه شهيداً، اشتباكه الجسدي مع العساكر وتبادله الضرب معهم، إلقاءه الطوب عليهم، تفهمه لما دفع الناس تلقائياً لحرق الأقسام مادام الضباط هم من بدأ إطلاق النار وقتل الناس منها، كما أنها رمز يد نظام مبارك القامعة بكل ما تحمله من تراث التعذيب والظلم ولولم نحطمها لما نجحت الثورة (وهذا لا يمنع أنه خاطر بحياته أثناء مشاركته في محاولة بعض المتظاهرين إطفاء حريق مديرية الأمن خوفاً على المباني المجاورة)، مشاركته لاقتحام أمن الدولة بالأسكندرية وضربه بكل غضب وعنف لضابط أمن دولة ... كما يحكي علي بقناعة تامة عن دوره يوم معركة محمد محمود حين حاول تنظيم الصفوف الأولى ليدافعوا عن أنفسهم بالطوب والعصي بكفاءة أفضل.

يحدثني علي - بنفس نبرته الهادئة الراقية - عن شرعية عنف المواطنين ضد عنف الدولة الغير مبرر قانونياً، وعن أن اللحظة التي يضغط فيها الجندي زناد بندقيته الموجهة نحو متظاهر هي لحظة سقوط (العقد الاجتماعي) بين المواطن والدولة، فالدولة من حقها احتكار العنف مادام هذا في إطار القانون المتوافق عليه مجتمعياً كما يقول عالم الإجتماعي الألماني ماكس فيبر، أما عند خروجها عن القانون نعود فوراً إلى (الحالة الأصلية) بتعبير الفيلسوف الإنجليزي جون لوك . يردد علي بإيمان تام عبارة المفكر الإنجليزي الشهير توماس هوبز التي قالها قبل أكثر من 300 عام: "للفرد حق مقاومة السلطة الغاشمة إنطلاقاً من مبدأ الدفاع عن النفس" 
كما يسخر علي دائما من فكرة التعرف على البلطجية بالشكل " ما أنا نفسي بأعمل الحاجات اللي بيسموها بلطجة، وكمان أساساً أنا نفسي لو شفتني في قلب الضرب والدعك والطوب والغاز هتقول عليا شكلي متشرد، هو إحنا نازلين نتفسح!"

علي يتعافى الآن من إصاباته الجسدية، لكن إصابته النفسيه بشعوره بالظلم له ولرفاقه لن تتعافى أبداً إلا بأن يأخذوا حقهم من المجرمين، يتمنى ان يحدث ذلك بالقانون عبر المحاكمات العادلة العاجلة، بدلاً من أن يضطر الناس لأخذ حقوقهم بأنفسهم في أقرب صدام شعبي قادم.











سامبو يدفع ثمن جدعنته

 تُرى بماذا يفكر سامبو الآن وهو في زنزانته في السجن الحربي؟ هل يذكره أو يزوره أي أحد باستثناء أفراد عائلته؟

سامبو هو اسم شهرة أحمد جاد الذي نزل يوم 28 يونيو مساءاً من منزله بالشرابية ليدافع عن أهالي الشهداء الذين سمع أنهم تعرضوا للضرب والاعتداء من بلطجية ومن قوات الأمن المركزي، أهالي الشهداء الذين كانوا معتصمين منذ أربعة أيام قبلها أمام ماسبيرو احتجاجاً على بطء المحاكمات إلى حد التواطؤ، فالعادلي والكبار معززين مكرمين في سجن فاخر في طرة، والمحاكم في السويس والأسكندرية في وقت متلاحق أطلقت سراح الضباط، ولم يصدر أي حكم إطلاقاً إلا على أمين شرطة هارب.

لا يعرف سامبو أي شيء عن ماكس فيبر وهوبز ولوك ومونتيسكو وكل تلك الأسماء الغريبة التي يرددها علي الرَّجال، لكنه يعرف أشياءا وأشياء عن الرجولة والجدعنة اللذان يمنعا أن يضرب الأقوياء الضعفاء بلا رادع، خاصة لو كان هؤلاء الأقوياء هم رجال الأمن وهؤلاء الضعفاء هم أهالي الشهداء الأطهار.

أثناء الاشتباكات تمكن سامبو من انتزاع بندقية خرطوش من يد أحد العساكر - ربما رأى قبلها متظاهراً يفقد بصره بها - لم يستخدمها، وفي اليوم التالي صباحاً قام من تلقاء نفسه بتسليمها لخادم مسجد عمر مكرم . المفاجأة التي لم يحسب حسابها هي أن صورته ممسكاً بالبندقية قد ظهرت في الصحف كأحد البلطجية المجرمين، وهكذا بعد ثلاثة أيام تمكنت الداخلية من معرفة شخصيته واعتقاله من منزله . خضع سامبو مع رفاقه لمحاكمة عسكرية عاجلة ونال حكماً بالسجن خمس سنوات.

لماذا أتذكر سامبو الآن؟ لأنه بالتأكيد الآلاف من أهل وأصدقاء سامبو وأمثاله من المحاكمين عسكرياً أو مؤخراً الماثلين أمام نيابة أمن الدولة العليا طواريء - يٌقدر عددهم بـ 12 ألف - كانو من المشاركين في الأحداث الأخيرة . ربما كان أقارب سامبو وعائلة علاء عبد الفتاح وأم أحمد عبدالكريم صديقي من أسيوط المعتقل منذ أحداث السفارة الإسرائيلية واقفين قرب بعضهم يهتفون بصوت واحد ضد العسكر. 

وأتذكر سامبو أيضاً لأنه بالتأكيد يتصفح الصحف الآن في سجنه - لو كانت تصله أصلاً - باحثاً في برامج الأحزاب والمرشحين للانتخابات عن أي ذكر لهم، عن مرشح واحد يذكر ولو في آخر برنامجه مطلب إعادة محاكمتهم محاكمة عادلة امام قاضيهم المدني الطبيعي، أو حتى أضعف الإيمان مطلب مساواة المدنيين بالعسكريين، فليُحاكَم الضباط قتلة الشهداء بما فيهم العادلي أمام محاكم عسكرية عاجلة كالمدنيين بالضبط!








يحيي يقترح مبادلة عادلة

لا اعرف كثيراً عن يحيي. 
أعرف اسمه الأول، وأنه من بولاق أبو العلا، وأنه من الألتراس مما يستدعي لديّ كل القصص التي سمعتها عن كونهم في مقدمة صفوف اقتحام ميدان التحرير يوم 25 مساءاً حيث أول الفيديوهات الشهيرة للثورة للآلاف يهتفون حول الشماريخ "الشعب يريد إسقاط النظام"، ثم كونهم مرة أخرى في أول صفوف اقتحام كوبري قصر النيل يوم 28 في الفيديو الأشهر لقوات الأمن في مواجهة المصلين على الكوبري . أتذكر أيضاً صديقي الذي تم سحله واعتقاله في فض الميدان في أول أيام الأحداث الأخيرة الذي حكى لي عن اعتقال شباب من الألتراس معه، وعلى اختلاف هيئاتهم وتنوعهم بين مرتدي الملابس الغالية ومن يبدو عليهم أبناء المناطق الشعبية كانوا يغنون داخل سيارةالحجز في صوت واحد وروح عالية واحدة (قالوا الشغب فى دمنا وازاى بنطلب حقنا .. يا نظام غبي افهم بقى مطلبي .. حرية حرية حرية)

هل كان يحيي منهم؟ لا أعرف، لكني أعرف جيداً أنه بالتاكيد ممن "أشكالهم غلط"، وأعرف أنه كان مصاباً برصاصة مطاطية في قدمه وكان صديقي الطبيب بالمستشفى الميداني يعالجه ويطلب منه أن يعود لمنزله فوراً للعناية بقدمه لكنه رفض بإصرار "ولما إحنا نروح مين اللي يحميكو؟ مين يحمي الحريم والعيال الصغيرة والدكاترة والناس اللي ملهاش في اللبش زينا؟"
رد عليه صديقي ممازحاً "ميغركش المنظر .. ده إحنا ساعة الجد هنقلع البلاطي وهتشوف أعلى بلطجة"، ضحك يحيي طويلاً ثم قال ما هز صديقي وجعله يلزم التحرير حتى الآن رغم انفضاض الغالبية الساحقة من الناس "إحنا بنحميكو من الـ (*****) - شتيمة بذيئة على الداخلية - وانتو بتحمونا من الجهل، كدة نبقى خالصين!"
دون أن يدري قال يحيي بالحرف ما قاله آخر بنفس ظروفه لفتاة أصر على سحبها بعيداً عن موقع المواجهات "انتي شكلك بنت ناس و متعلمة، خلونا احنا الفقرا نموت عشان لما الدنيا تهدى يفضل المتعلمين اللي يقدروا يفيدوا البلد!"

يحيي يكمل كلامه بثقة واعتزاز: "مش هروح من هنا غير لما نجيب المشير في شوال .. وكمان نمسك اتنين عساكر ونرجعهم تاني عشان يعرفو اننا قادرين عليهم بس جدعان"
ومرة أخرى دون أن يدري قال يحيي نفس ما يقوله علي الرّجال عن أخلاقية الثورة حتى لو اضطرت لاستخدام العنف أحياناً، فقد شهد علي هزيمة قوات الأمن المركزي وحصارهم واستسلامهم التام، ولم يفكر أبداً هو ورفاقه في الانتقام بل بالعكس ساعدوا العساكر الغلابة على العودة لبلادهم "لو كنا عايزين نقتل منهم زي ما قتلو مننا كنا عملناها، لكن سبناهم وإحنا قادرين عليهم عشان إحنا مش مجرمين وبلطجية زي الداخلية"






محمد يشعر أنه كان أحمق ..!

ذات يوم ركب محمد ميكروباصاً من رمسيس إلى السيدة عائشة فدار بينه وبين السائق حوار يشكو فيه من إحباطه لأنه لم يستفيد من الثورة أي شيء بل بالعكس زادت الأوضاع سوءاً "كنا بنقول الحاجة لو مرخصتش أكيد مش هتغلى تاني، بس لقيناها غليت!"، ثم شاهد بالصدفة البحتة فيديو على يوتيوب فيه من يقول أثناء حصارقسم السيدةزينب "خلاص مبقتش فارقة، كدة ولا كدة ميت" ثم صورة لشهيد فقير مجهول دفعته للبحث عن المزيد منهم، ليكتب بعدها تدوينة /مقال نشرها متوقعاً ان يقرأها 100 على الأكثر من أصدقاءه وأصدقاء أصدقاءه ليفاجأ بأن عداد اللايك يرتفع بجنون حتى تجاوز الألف، نام واستيقظ ليفاجأ مرة أخرى بأن العدد تجاوز الـ 4000 وبجد رسالة تطلب منه الظهور في نفس اليوم مساءاً في برنامج محمود سعد وبعدها بنصف ساعة كلمه من يطلب منه الظهور على الجزيرة مباشر، وفي الأيام القليلة التالية تلقى المزيد من العروض

يعرف محمد جيداً أن شخصنة أي أمر غالباً يحرفه عن مساره، وأن صفحة خالد سعيد قد تضررت في فترة التركيز على شخص وائل غنيم بين متفق معه ومهاجم له، وهو نفس ما حدث بالتركيز على شخص أسماء محفوظ بغض النظر عن القضية التي تطرحها . لم يرد أبداً أن يتكرر معه نفس الموقف، وهكذا رفض كل العروض الإعلامية إلا اثنان فقط قدّر أنهما كافيان لنشر الفكرة دون نشر الشخص.

في الأسابيع التالية شعر محمد بالفرحة الغامرة، لقد نجح، شاهد لافتات "الفقراء أولاً" تملأ ميدان التحرير في جمعة 8 يوليو دون أن يدري أحد أنه حاضر هناك، العديد من الصحفيين ومرشحي الرئاسة يتحدثون عن المبدأ وأغلبهم لا يذكر شخصه، حتى البابا شنودة في عظة الأحد يدعوا المسيحيين لرفع شعار الفقراء أولاً، يفرح محمد باكتساب الفكرة استقلاليتها وانتشارها، وأن يصبح هذا هو موضع المزايدة والمنافسة بين الجميع.

لكن بعد فترة ليست بالطويلة اكتشف محمد حماقته، فالأمر لم يتعدى مزايدة إعلامية عاد بعدها الجميع إلى نفس مواقعهم القديمة، ونفس معاركهم القديمة، ونفس كلامهم القديم .. ليست هذه المرة الاولى التي يشعر فيها بهذه الحماقة، فهو قد أعمى نفسه وتجاهل ما يعرفه جيداً جداً عبر قراءاته عن ارتباط الجيش المصري بشبكة المصالح الدولية السياسية والاقتصادية التي يضمن استقرارها في مصر وفي إطارها ينال معونته السنوية من أمريكا البالغة مليار و300 مليون دولار بلا أي رقابة، تجاهل تأكده من أن الجيش وحلفاءه الغربيين سيقاوموا حدوث تغيير جذري في النظام وهتف بحماس "الجيش والشعب إيد واحدة"، بل إنه كان في الأشهر الأولى يمنع أي شخص يهتف أمامه ضد المشير!

محمد يشعر بتأنيب الضمير لأنه يشعر الآن بأن الفقراء لم يستفيدوا شيئاً مما كتب، المستفيد الوحيد هو نفسه! ويشعر بتأنيب الضمير أيضاً لأنه لم يحاول متابعة أي عمل واقعي إيجابي في هذا المجال بنفسه عاذراً نفسه بضيق وقته بسبب الدراسة، ومكتفياً بالظن أن انتشار الفكرة سيدفع الآخرين خاصة ذوي الإمكانات المادية والسلطوية للعمل.

 عندما يشاهد محمد تعليقات الناس على صور سامبو وأمثاله من أبطال شارع محمد محمود وكلامهم عن هؤلاء البلطجية السرسجية يشعر بالعبث، لقد عاد الناس لترديد نفس الكلام كأن شيئاً لم يكن، كأنهم طهروا أنفسهم بضغط (لايك) و (شير) وانتهى الأمر على ذلك . يشعر أيضاً من هذا الكلام بجرح شخصي، فهو - وإن لم يكن فقيراً أو يعيش بمنطقة شعبية - إلا انه يعرف جيداً أن العديد من أفراد عائلته الأعزاء الودودين في قرية والده لو ظهروا بالصدفة في أحد صور محمد محمود لأشار البعض لهم قائلين "أشكالهم غلط، بلطجية، بيئة، سرسجية!" . 

محمد يؤرقه بشدة مشهد الفتاة ذات الثوب البنفسجي التي يجرها عسكري الجيش البطل من شعرها في مشهد مريع، لا يعرف أي احد مجرد اسمها كما لا يعرف أحد محمد حامد وعلي وسامبو ويحيي و آلاف الشهداء والمصابين والمسجونين . ربما كانت هذه الفتاة أيضاً تهتف في وقت ما "الجيش والشعب إيد واحدة" مؤمنة أن حياتها ستصبح أفضل.
يتخيل أخته أو أمه مكانها ثم يتذكر أن أمه وخطيبة صديقه كادتا بالفعل أن تكونا مكانها، فكلاهما اعتقل معه في 26 يناير وخرجن من القسم بعد وصلة تهديد غليظ مبطن من نوع "انتو ستات محترمات تقعدو في بيوتكو أحسنلكو من البهدلة " . لم تتعرض أمه "للبهدلة" لأنها بمجرد اعتقال الشباب ومحاصرة قوات الأمن لهن قالت للضابط "ابعدوا عننا وهنطلع العربية باحترامنا!"، بينما خطيبة صديقه التي قاومت الاعتقال تم شتمها بسفالة وضربها بقسوة وهددها الضابط "لو مطلعتيش العربية يا بنت ال (........) هقلعك ملط في الشارع هنا!" . هل يلوم أحد خطيبها عندما يشعر بالغضب والقهر والعجز وهو يرى ذاك الضابط مازال في موقعه بلا أي حساب إطلاقاً؟ هل يلومه أحد لو أنه في أول فرصة متاحة للاشتباك مع قوات الأمن انحنى والتقط حجراً ورماه؟

محمد يؤلمه بشدة سرعة نسيان الناس وضياع الحقوق، والآن بدلاً من مطالبتنا بحق شهداء الثورة بالمحاكمة العاجلة العادلة للمجرمين بما فيهم العادلي ومبارك نفسه، أصبحنا نطالب بحقوق من سقطوا في مسرح البالون، ثم في العباسية، ثم في ماسبيرو، ثم أخيراً في شارع محمد محمود! في آخر بيان للمجلس العسكري اعتذروا عن الأحداث، هل مجرد إعتذار هو ثمن 41 شهيد وحوالي 2000 جريح منهم 60 فقدوا أعينهم؟ ياللرخص! 

محمد يشعر بخيبة الأمل من الوسط السياسي المصري، هذا الوسط الذي كان دائماً أقل من حركة الشارع، السياسيين تفاوضوا مع عمر سليمان ثم وقعوا وثيقة عنان، وهم من أفسد  اعتصام 8 يوليو وحوله عن قضاياه الرئيسية عن محاكمات القتلة وإصلاح الداخلية والحد الأدنى للأجور، إلى خلاف نخبوي حول المباديء الدستورية وحول أسماء الوزراء الذين يشملهم التعديل الوزاري مما أفقده زخمه الشعبي، وهو نفس ما يتكرر الآن بتحويل كل ما حدث الذي كاد يرقى إلى ثورة ثانية كاملة إلى خلاف حول وزارة الجنزوري وحول أسماء أعضاء الهيئة الاستشارية التي ستعاون المجلس العسكري، هكذا ربما لن يبقى من كل ما حدث إلا تغيير اسم شارع محمد محمود.

محمد لم يجد في دائرته أي مرشح يعرف بيقين كامل أنه سيعبر عنه، لم يجد من يضع على رأس برنامجه محاكمات عاجلة للضباط القتلة، أو إعادة هيكلة وزارة الداخلية، أو حساب من استورد الغاز السام المحرم دولياً، أو حتى إعادة هيكلة الإجور في مؤسسات الدولة ووضع حد أدنى وحد أقصى عادليّن . اختار الأفضل (نسبيا) ومنحهم صوته آملاً في أنه ربما بعد إتمام انتخاب المجلس وانعقاده يتغير الحال ولو قليلاً.

محمد لا يعرف شيئاً عن المستقبل، وليس متأكداً من أي شيء، بعد كل ما حدث فإن أي شيء سلبي أو إيجابي يمكن أن يحدث، من كان يحلم قبل عام فقط أن يرى 100 ألف في التحرير أو أن تجبر المظاهرات مبارك على تغيير وزير؟ وفي المقابل من كان يتوقع وهو يحتفل يوم 11 فبراير أن الشهداء سيستمرون في السقوط بعدها؟ لذلك هو ليس متفائلاً جداً إلى حد "هنجيب المشير في شوال" كما يقول يحيي ولا متشائماً جداً إلى حد "ثورتنا اتسرقت خلاص والشهدا دمهم راح وليهم ربنا" كما يقول بعض أصدقاءه، لذلك هو لا يملك التوقف أبداً آملاً في أن الأفضل ربما يأتي . سيستمر بفعل ما في يده، يشارك في الانتخابات، ينزل للتظاهر رغم قلة شجاعته وضعف إمكاناته الجسدية، يذاكر لامتحاناته رغم ضعف إمكاناته الدراسية ... ويكتب تدويناته متذكراً قول الأبنودي:

هل نكف عن المحاولة؟
أو نحاول؟
لو سكتنا، يقولوا ضاعوا
لو وقفنا، يقولوا باعوا
...... 
لأ .. نحاول
لأ .. نحاول
لأ .. نحاول




=====



روابط ذات صلة:


شهادة من طبيب بالمستشفى الميداني:
 http://www.facebook.com/notes/yehya-kadry/%D8%B9%D9%86-%D9%85%D8%B5%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%8A-%D8%A3%D8%B9%D8%B1%D9%81/10150375266227540

شهادة أحد من حوكموا عسكرياً بعد أحداث مسرح البالون:
http://tahrirdiaries.wordpress.com/2011/08/13/%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%81%D8%B1%D9%8A%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%8A-%D8%A3%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB-%D9%85%D8%B3%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%86/

فيديو مهم لأحداث شارع محمد محمود:
http://www.youtube.com/watch?v=T9JmBTotCWQ

عن إدارة مكتبة الأسكندرية:http://elbadil.net/%D8%BA%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D9%86%D8%A8%D9%8A%D9%84-%D8%AA%D9%83%D8%B4%D9%81-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%AA%D8%A8-%D8%A8%D8%B9%D8%B4%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A2%D9%84%D8%A7%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D9%85/

الجمعة، 21 أكتوبر، 2011

عندما قال عضو الإخوان وهو ينزع لافتات البرادعي وأبوالفتوح: المكان ده بتاعنا !


"عبرت ميدان التحرير آلاف المرات طوال أكثر من نصف قرن, لكنه اليوم له معنى آخر، وطعم آخر، واحساس آخر .. كنت أري صوره في عنفوان الثورة في أسابيعها الأولى، أتأمل فلا أرى إلا رؤوسا و أجسادا، رؤوسا تلتصق، وأجسادا ترتطم و تتعانق، وروحا واحدة، أصبح الكل في واحد، وكان هذا الواحد هو مصر .. أملي أن يمنح المصريون هذا الميدان ما يستحقه من إجلال و احترام"

كانت هذه هي كلمات العظيم فاروق شوشة، معبراً بطلاقة عن فكرة اكتساب بعض الأماكن نتيجة الأحداث التي مرت بها رمزية وثقلاً نفسياً أكبر بكثير من كونها مجرد جمادات محايدة، وكأن أجزاء من أرواح كل من مروا هنا في الأحداث الماضية بقيت في المكان ثتير الذكرى والمشاعر .. عندما أفكر باحثاً عن مكان ما في أسيوط يمكن أن ينطبق عليه هذا الكلام يتبادر إلى ذهني فوراً ساحة مسجد أبوالجود حيث أكبر تجمع لصلاة العيد ..

لا أعرف بدقة العام الذي بدأت فيه الجماعة الاسلامية الدعوة للصلاة هناك ليعيدوا تطبيق سنة الصلاة في الخلاء التي كانت قد اندثرت قبلهم، غالباً الأمر يرجع للثمانينات .. قرب منزل جدتي أمام مسجد الرحمة - الذي كان مسرحاً لمواجهات عنيفة بين الأمن والجماعات، تحكي أمي عن رؤيتها قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص في الهواء، وعرفت بعدها أن هناك من تم قتلهم داخل المسجد! - أمر دائماً على رسم قديم باهت مطبوع على الحائط فيه أن "الجماعة الإسلامية تدعوكم لصلاة العيد بساحة مسجد أبوالجود" .. تم ازالته العام الماضي فقط على يد المحافظ الذي وحد ألوان العمارات ...

المسجد وساحته بالقرب من (المنفذ) الذي تعبر منه العربات بين جانبي شريط السكة الحديد الذي يقسم المدينة إلى حييّ شرق وغرب، وهو ملتقى لعدد من أهم شوارع وكباري المدينة، لذا يمكن أن نفهم حيوية المكان وسبب تحوله لساحة صراع بين الجماعة الإسلامية ثم وريثتها الإخوان وبين الأمن، كلا الطرفين اعتبرها أقرب لمعركة كرامة أو اثبات وجود وسيطرة، وكل عيد يبتكر أحدهما وسيلة جديدة ليقوم الطرف الآخر بردها في العيد التالي وابتكار وسيلة جديدة وهكذا .. كان رجال الجماعة يبيتون في المكان من الليلة السابقة وتأتي نساء الجماعة مبكراً جداً، ومن قبل الاثنين يرابط هناك كل قيادات مديرية الأمن مع حشود من جنود الأمن المركزي ..


ينقسم تاريخ هذا الصراع لمرحلتين رئيسييتين، الأولى هي التي عايشتها منذ وعيت على الدنيا وحتى 2005 حيث كان أمن الدولة يبذل كل ما بوسعه للتضييق على الناس ومنعهم من الصلاة هنا، دائماً هناك الصراع على (الفرش) الذي يأتي به الإخوان، وأذكر أنهم في أحد المرات استولوا على حمولة عربة ربع نقل كاملة، احياناً ينجحون وأحياناً يفشلون، لكن دائماً كانت هذه الوسيلة لا تؤثر لأن تقريباً كل شخص يأتي معه بما سيصلي عليه أو يقوم الناس تلقائياً بتقاسم صفحات الجرائد أو حتى الصلاة على الأسفلت مباشرة .. أذكر جيداً دهشتي في أحد المرات عندما كنت صغيراً وذهبت مع أمي لأجد المكان مرشوشاً بالماء، ظننت أن السماء أمطرت مساءاً بينما نحن نائمين، وعندما كبرت فهمت أن عربات المطافيء هي التي أمطرت بأمر الأمن!
أذكر أيضاً من صغري مشهداً للعجول التي كان الإخوان يذبحونها في عيد الأضحى في الساحة ويوزعون لحومها فوراً على الفقراء، قبل أن يقوم الأمن بمنع ذلك تماماً ..

المرحلة الثانية كانت بعد يأس الأمن من منع الناس من الصلاة هنا أو دفعهم لمكان بديل، وتسليمهم بالأمر الواقع أن الغالبية الساحقة من أهالي أسيوط يفضلون الصلاة في هذا المكان مهما حدث، وأن ضخامة الأعداد بعشرات الآلاف تجهض دائماً أي محاولة لمنع الناس من الصلاة هنا، فقرروا أخيراً استبدال سياسة المنع بسياسة الاحتواء والالتفاف ومسخ هوية المكان، خاصة أن تأثير الإخوان وظهورهم كان دائما يقتصر على مساحة معينة هي التي أمام المسجد وبالقرب منه بينما يمتد الناس لمسافات كبيرة في الشوارع الخلفية التي تكاد تخلو من أي وجود لهم. 
وهكذا فوجيء الإخوان بسيارات تلف المدينة وتعلن من مكبرات الصوت عن أن "وزارة الأوقاف ومحافظ أسيوط يدعونكم لصلاة العيد في ساحة مسجديّ أبوالجود وناصر"! لقد ضموا ساحة مسجد ناصر التاريخي العملاق القريبة على ساحة أبوالجود ليجتذبوا فائض الناس للصلاة هناك بعيداً عن وجود الإخوان وليستغلوا وجود أحد أهم شيوخ الصوفية الموالي للأمن هناك وهو ذو شعبية كبيرة أيضاً بين مريديه، وفي ليلة العيد بدلاً من الصراع على (الفرش) فوجيء الجميع بسيارات المحافظة تحمل سجاداً فاخراً كثيراً جداً وتولى عمال المحافظة والأوقاف فرشها مع وضع لافتات عملاقة على المداخل مكتوب عليها ترحيب المحافظ ووزارة الأوقاف، ومن قبل الفجر أتى كل شيوخ الأوقاف بالمدينة تقريباً بالأمر المباشر والتهديد ليحتلوا الصفوف الأولى داخل المسجد وفي الساحة - حيث أتى بعدها المحافظ وكل قيادات المحافظة والأمن ليصلوا هناك - وللمرة الأولى منذ وعيت على الدنيا يختفي صوت أ.محمد خلف ناظر مدرستي الثانوية، المهذب الرقيق الوقور منخفض الصوت الذي كان يكبر مع الناس باندماج وتناغم ويتخلل التكبير من حين لآخر بمقاطع عاطفية مختارة من رسالة (دعوتنا) للإمام البنا من قبيل "ونحب أن يعلم قومنا - وكل المسلمين قومنا - أنهم أحب إلينا من أنفسنا، وانه حبيب إلى هذه النفوس أن تذهب فداء لعزتهم إن كان فيها الفداء ...." وبدلاً منه أسمع من يكبر بصوت أجش رديء ويتخلل التكبيرات كل 10 دقائق بالتأكيد على أن "اللواء الوزير نبيل العزبي ووزارة الأوقاف يهنئون أهالي أسيوط الكرام بحلول العيد"! 
بعد الصلاة تستمر المفاجآت، فبعد خطبة طويلة جداً بشكل متعمد ليكون الكثير من الناس قد انصرفوا يكتشف الإخوان ان المسرح العملاق المنصوب أمام مسجد ناصر معد ليغني بعض شيوخ الصوفية بصوت عال نشاز يتم اذاعته بمكبرات الصوت الهائلة المنتشرة على طول الساحة مما غطى تماماً على صوت حفلة الاخوان الصغيرة المرتجلة التي كانت مقامة في ركن ضيق مستخدمين مكرفونات محمولة صغيرة، كما أن هذه الحفلة اجتذبت الكثير جداً من أبناء المناطق الشعبية الموجودين الذين يحبون هذا اللون من الغناء، وهكذا تقريباً لم يكن هناك أي حد محيط بحفلة الإخوان إلا الإخوان أنفسهم، كما ظهر في نفس الوقت العشرات ممن يرتدون أوشحة (الحزب الوطني) يوزعون الحلوى والهدايا مكان المشهد التقليدي لمن يرتدون أوشحة (الإخوان المسلمين)!

تتواصل الجولات في السنوات التالية، في مرة يقطع الإخوان سلك المكرفونات الموجودة فوق حفلتهم، وفي المرة التالية يعلق الأمن السلك عالياً جداً .. في مرة ينجح الأمن في منع دخول بعض زينات العيد المكتوب عليها (الإسلام هو الحل) مع تفتيشهم لكل من يدخل المكان مبكراً، وفي مرة تالية يدخل الإخوان كل ما يريدون بعد تقسيمه لكميات صغيرة تختبيء تحت الملابس وفجأة في لحظة معينة يمتليء المكان بالشعار .. في مرة يمزق الأمن كل لافتات مرشح الإخوان في المكان ويعلقون مكانها لافتات لمرشح الوطني، ثم بعد بداية ازدحام المكان فجأة بمبادرة سريعة ينزع الإخوان لافتات مرشح الوطني ويعدوا تعليق لافتات أخرى لمرشحهم تمكنوا من تهريبها للداخل! .. في مرة يصرخ ضابط أمن الدولة أمام الجميع مهدداً "العيال دول كلهم مستقبلهم هيضيع، والواد ده انا عارفه هجيبه من بيته!" وفي مرة يتحدث الضابط بهدوء واحترام ليتفاوض على حلول وسط .. 

إلى أن وصلنا لهذا العيد، عيد ما بعد الثورة ..في المساء أمر على مبنى الحزب الوطني القريب لأجد فوق المبنى لافتة كبيرة تحمل تهنئة حزب الحرية والعدالة بالعيد، لا أعرف إن كانت هذه مصادفة أم أنهم تعمدوا تعليقها هنا بالذات نكاية في الأعداء المهزومين . في الصباح أسمع للمرة الأولى عن منع الإخوان لتعليق لافتات البرادعي و 6 أبريل وعبدالمنعم أبوالفتوح وحزب الجبهة في الليلة الماضية على الكوبري الذي يعلو الساحة، وأن لافتة البرادعي تحديداً حدث حولها مشادة صعبة تبادل فيها الطرفان الضرب والشتائم! .. فيما بعد سيظهر تفاصيل كثيرة منها أن الاخوان أنفسهم كانوا منقسمين، الجميع استنكر التسرع بالضرب والشتائم والذي تورط فيه عدد محدود جداً منهم من كان مرافقاً للإخوان لا أعضاء أصيلين بهم، وقد قام بعض الإخوان الكبار بالاعتذار وتقبيل الرءوس على هذا الخطأ، لكن هذا لا ينفي أن الأغلبية بما فيهم الأخ القيادي مسئول المصلى أيدوا نزع اللافتات بالقوة .. فيما بعد سأجلس مع أحد أصدقائي الإخوان الذي كان من أبطال الموقعة، وسيحكي لي باقتناع تام كيف اعتذر بأدب وتهذيب عن الأسلوب العنيف الذي حدث لأستاذ محبوب في كليتي هو من تم منعه من تعليق لافتة حزب الجبهة، لكنه أيضاً تحدث معه بحدة مصمماً على موقفه:

" أنا قلت لدكتور فلان المكان ده بتاعنا! بالتاريخ وبالجغرافيا وبالواقع على الأرض ده مصلى الإخوان، وأقل حاجة من اللي هييجي يعلق هنا إنه ينسق معانا الأول، وبعدين انت مكناش بنشوفك قبل الثورة ولا كنت بتيجي تعلق يفط هنا معانا في عز أمن الدولة اشمعنى دلوقتي؟! .. قالي انت كده اقصائي، قلتله أنا اقصائي؟! طيب ما تروح عند السلفيين في الاستاد وعدي بس قدامهم باليفط دي وشوف هيعملو معاك إيه!" 
"كل أهل أسيوط عارفين أن ده مصلى الإخوان، هو كده بيتمحك فينا! وبعدين المرة الجاية هتبقى انتخابات ولو سبناها المرادي هتشوف شكل الساحة يبقى عامل ازاي المرة الجاية!"
"لو كان  فعلا د.فلان ود.فلان - قياديين كبار بالجماعة - قالولهم يعلقوا يفطهم يبقى ده رأيهم الفردي على عيني وراسي، لكن إحنا ملتزمين بالشورى مش بالأفراد، لجنة العيد من 12 فرد منهم 2 ممثلين للمكتب الإداري للمحافظة قررت إنه هنمنع تعليق أي لافتات لأي حد إلا الإخوان وحزب الحرية والعدالة يبقى الكل يلتزم بالقرار ده! .. وبعدين افرض هو عمل مؤتمر لحزب الجبهة ينفع أروح أنا أعلق يفط بتاعتي عنده؟ .. متقوليش صلاة العيد حاجة مختلفة، بالنسبالي مفيش أي فرق، الاتنين نشاط نظمته جهة ودعت الناس ليه!"
"متقوليش كسبنا وخسرنا إيه، كده ولا كده الإعلام والناس دول بيترصدولنا وبيشتمونا مهما عملنا"

عندما سمعت عن القصة للمرة الأولى ثم وأنا اتناقش معه كنت أشعر بانتهاك المكان، نفس شعور فرض غلق ميدان التحرير من عدد قليل جداً من المعتصمين ثم بالعكس بسط قوات الجيش والامن المركزي سيطرتها على صينية الميدان! .. عندما تتحول المساحات العامة التي تجاوزت رمزيتها التقسيمات والملكيات لمساحات خاصة يفرض عليها البعض سيطرته .

بعد أن تجاوزت مفاجأة ما سمعت كانت المفاجاة الأولى في المكان وأنا أدخل الساحة متمنياً عودة الصوت الرقيق للأستاذ محمد خلف هي أن صوته مازال غائباً، وحل مكانه صوت وكيل وزارة الأوقاف يقول في المكروفون من داخل المسجد كل 10 دقائق (الإخوان المسلمون ووزارة الأوقاف يهنئون أهالي أسيوط الكرام بصلاة العيد)، لقد استبدلو الإخوان بالمحافظ!
بعد الصلاة كانت الخطبة السريعة من أحد شيوخ الأوقاف الذي تحدث عن الثورة بحماس، ثم بدأت حفلة الإخوان على مسرح ضخم بالضبط في نفس المكان الذي كانت فيه حفلة الأمن السابقة، وفوق المسرح نفس اللافتة التي تحمل اسم المحافظ مهنئاً بالعيد، ومن فوقهم الكوبري عليه لافتات الإخوان والمحافظ، ويستخدمون في الحفل نفس المكرفونات العملاقة بالضبط .. أرى العديد من الوجوه الإخوانية الجديدة التي لم نكن نراها في حفلات الاعوام الماضية ولم نرها في مظاهرات الثورة إلا متاخراً جداً، بينما غاب العديد من الوجوه القديمة التي كانت تتولى أمر الحفل دائماً . يعلنون عن توزيع جوائز وأن من سيسلمها هو (الأستاذ سمير خشبة) الذي كان مرشح الإخوان في آخر انتخابات، ظننت أنهم سيقولونها مرة بشكل عادي وانتهى الأمر، لكن ظلوا يكررون اسمه بشكل غريب، مع كل تسليم جائزة يكررون الاسم عدة مرات (الآن سيتحدد اسم الفائز الذي سيسلمه الأستاذ سمير خشبة جائزته) (الفائز رقم كذا عليه الحضور للمنصة ليتسلم الجائزة من الاستاذ سمير خشبة) (الآن الأستاذ سمير خشبة يسلم التلفزيون 21 بوصة للفائز فلان) ..الخ الخ .. أظن أني سمعت اسمه عشرات المرات خلال أقل من ساعة .. والأستاذ سمير نفسه قد ارتدى نظارة سوداء - رغم أن المكان ظليل - مما أعطى شكله انطباعاً حكومياً كأنه المحافظ أو ضباط أمن الدولة الذين كانوا يقفون بالقرب من نفس المكان بنفس النظارات!

بينما أنا أتأمل المشهد كله تتردد في ذهني آية "ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون"
"ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون"
"ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون"









  
 

فيديو نزع لافتة حزب الجبهة
 http://www.youtube.com/watch?v=4Bppiw-l0kg 

السبت، 6 أغسطس، 2011

عن عبدالرحمن لا حنظلة !


أنا المواطن الحلو
من مخيم عين الحلوة
أختصر نجاتي وألخص حلاوتكم
في الاسم الحلو الاخير
الذي يليق بكوكبكم :
حنظلة!

سميح القاسم






===






هل سأل أحدنا نفسه إن كان قلبه موجوداً على الجانب الأيسر أم الأيمن؟
لم يحدث هذا لأنه معلوم بديهياً، وكذا كانت علاقتي بعبدالرحمن .. وعيت على الدنيا لأجدني رفيقه وأجده رفيقي، لا أعرف متى ولا كيف، هو كالحقيقة العلمية أو المعلوم بالضرورة، كوجود قلبي على اليسار وشروق الشمس من الشرق.أبوه صديق أبي، وأمه صديقة أمي، اخوتي اخوته واخوته اخوتي .. بامكانه أن يأتي في أي وقت إلى منزلنا لنضع له الغداء أو العشاء بلا حرج، وبإمكان أبوه أن يوقف سيارته لو شاهد أمي في الشارع ليوصلها إلى منزلنا بلا تكلف.

منذ حوالي عامين فقط اكتشفت ان هناك صدفة / قدراً آخر يجمعنا .. كلانا كان له توأم مات أثناء ولادته وتم إنقاذ حياته! .. وكأن الله قد عوض كلانا عن توأمه المفقود بتوآم آخر ...



====







تلك الطمأنينة الأبدية بينكما:
أن سيفان سيفك
صوتان صوتك
أنك إن مت للبيت رب
وللطفل أب


عندما كنت أفكر في الاهداء المناسب له على رواية (فرج) لرضوى عاشور وجدتي تلقائياً أكتب له هذه الأبيات.









===








هناك عبارتان لا أقولهما عنه كالناس ..
يقولون: عبدالرحمن أخي، لكني أقول: عبدالرحمن أنا .. عبدالرحمن أنا
ويقولون: يا حنظله .. وأنا لا أقول إلا يا عبدالرحمن
عرفته من قبل أن يصبح حنظلة .. حنظلة الممرور والمرير!

حنظلة الممرور الذي تغص حلقه خيبات الأمل، والصدمات في الناس الذين لم يكونوا أناساً، فيقف عاقداً يداه خلفه مولياً ظهره لنا يراقب بحزن واندهاش ما يحدث .. هناك صورة له أثناء الثورة وسط الغاز المسيل للدموع أمام قوات الأمن، وكل من حوله يجري ويكتم أنفاسه بينما هو فقط يظهر وكأنه يمشي بشكل عادي جداً يتطلع بدهشة لما يحدث حوله .. هذا هو حنظلة ..

تدريجياً يظهر الحزن في عينيه وفي نبرة صوته، يرتسم على وجهه تعبير ذلك الذي اقترب فرأى، وما أكثر ما رآه في حياته قبل الأوان - يذهب منذ طفولته مع والده إلى أفقر المناطق لتوزيع المساعدات، يحمل شهيداً على كتفه في الثورة، يزور مخيمات اللاجئن السوريين في تركيا ...الخ - وهو الرقيق جداً المرهف جداً، الذي يخبيء ذلك تحت قشرة من الجدية البالغة في العمل، والتهييس البالغ مع الأصدقاء .. هل هو المعنيّ بقول أمل دنقل "دائماً الخوف من أن يكتشف الآخرون كم أنت رقيق، فيدوسونك بسنابكهم"؟

وحنظلة المرير، ومرارته ذات وجهين ..
مرارة يتعمدها - أو ربما لا يتعمدها بل هي أصيلة فيه إلى حد تلقائي - على كل من يقصر أو يخطيء خاصة لو كان الخطأ أخلاقياً  .. أتذكر عشرات الأمثلة .. أصدقائي في (سايف) أسيوط الذين اشتكوا لي منه مر الشكوى لإنه "واخدها جد أوي!" .. ذلك المسئول الإخواني الكبير جداً الذي قاطعه تماماً رغم صداقته لوالده بعدما قصر في امر ما أظهر ازدواج معاييره الأخلاقية .. تركه لمركز الأبحاث الذي تصادم مع مبادئه رغم حاجته الماسة للنقود .. المرة التي كنا فيها في ساقية الصاوي وألقى أحد الشباب الجالسين أمامنا ورقة على الأرض فقام عبدالرحمن وألقاها في القمامة ولام الشاب بلطف حازم!

ومرارة أخرى لا يتعمدها قد يشعر بها معارفه، مرارة تأنيب الضمير، مرارة كونه الشخص الذي تعجز عن أن تكونه! .. يترك فرصة الدراسة في كليتي الهندسة أو حاسبات لأنه يحب دراسة العلوم السياسية رغم الغموض التام لمستقبله حينها، يعجز عن المشاركة في موقعة الجمل بإلقاء الاحجار على المهاجمين لأنهم في النهاية بشر فيكتفي بالمشاركة في اسعاف الجرحى بالتبرع بدمه عدة مرات حتى فقد وعيه، يقابل أهم وأشهر الشخصيات السياسية والثقافية في مصر وخارجها فلا يبالي بأخذ صور معهم أو حتى الحديث عنهم، بينما يتسمر واقفاً ليصور بكل اهتمام مشهداً في قريته رأي جماله لفلاح يحدث زوجته وهما متكئان على ظهر حمار .
حتى مظهره في حد ذاته يوحي بالنموذج المثالي لـ(ابن الناس الكويسين) بملابسه الكلاسيك ونظارته التقليدية وشعره المسرح على الجنب!


  كيف يكون هناك من هو مثالي ومبادئي إلى هذا الحد؟ هل أنا المخطئ أم هو المصيب أكثر من اللازم إلى حد الخطأ؟!








===








كم هو شرير وقاس
هذا الولد حنظلة
إنه يقول الحقيقة ..!
هذا الملحد يجرأ على قول الحقيقة
في دويلات الزيف ومشيخات الزور
شرير وقاس أنت يا حنظلة
لأنك جميل في زمن القبح
صادق في زمن الكذب
كم هو شرير وقاس   
جرئ في عصر الجبناء
أمين في عصر الخونة








===







كان الشعراء العرب كثيراً ما يخاطبون في قصائدهم رفيقيّ السفر المقربين منهم من قبيل (قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ) .. عبدالرحمن هو رفيق سفري في هذه الحياة .. نبتعد ولا نبتعد، نغيب ولا نغيب، هو المنتهى وهنا المصب .. قد ننقطع عن بعضنا لفترة طويلة نسبيا، تحول بيننا امواج الحياة، ثم نتكلم او نتقابل فكأننا نكمل حديثاً قطعناه منذ خمس دقائق، كأن شيئاً لم يكن.

حتى عندما أغضب منه - وهذا لم يحدث إلا مرات نادرة جداً - لا يمكنني الاستمرار في ذلك .. منذ أسبوع تقريباً غضبت منه لسبب ما، كلمته على الموبايل وانا أرتب في ذهني ما سأقوله له "أنا مستاء منك جداً عشان كذا كذا" ثم بمجرد سماعي صوته انتهى كل شيء، عبوسي انقلب ابتسامة وعاتبته بلين شديد وانا أضحك.





===





أسيرُ مع الناسِ, في المَهرجانات:
أُصغى لبوقِ الجُنودِ النُّحاسيّ..
يملأُ حَلقي غُبارُ النَّشيدِ الحماسيّ..
لكنّني فَجأةً.. لا أرى!
تَتَلاشى الصُفوفُ أمامي!
وينسرِبُ الصَّوتُ مُبْتعِدا..
ورويداً.. رويداً
يعودُ الى القلبِ صوتُ الكَمانْ!

أمل دنقل






===







أنا لا أحكي كثيراً .. وإذا حكيت فدائماً أضع محاذير وحسابات، ما يقال لفلان ولا يمكن ان يقال لفلان، ما لا يمكن أن يعلمه عني فلان .. بعض الناس لو عرف عني بعض الأمور سأشعر بالانتهاك، بالعري!
قد أحكي لبعض أصدقائي المقربين ثم أشعر أحياناً بالندم أو الانزعاج، قد يكون من أحكي له غير مهتم بما يكفي، أو مهتم بقدر أكبر من اللازم، يفشي سراً، يسأل كثيراً، يلومني، يعظني من منظور فوقي، يضحك حيث لا يجب الضحك ....الخ .. دائماً للرضا ما يشوب الرضا .لكن مع عبدالرحمن أحكي بلا حسابات ولا مضايقات، أشعر بالأمان في الحكي، يسمعني باهتمام وتفهم، لا يلوم ولا ينصح ولا يسأل كثيراً، يرتسم على وجهه الحزن في اللحظة المناسبة بالضبط، ويضحك في اللحظة المناسبة بالضبط، وقد نمارس فضيلة الصمت البليغ لبرهة ونحن نتأمل ما أمامنا (غالبا النيل)، وهو صندوق مغلق لن يخرج حرفاً استأمنته عليه أبداً .. لم أشعر بشعور الحكي الآمن في حياتي كلها كما شعرته معه إلا مع الفتاة التي كنت أحبها في زمن انقضى، وهو أمر لو تعلمون عظيم عظيم!








===







عائدون؛
وأصغر إخوتهم
(ذو العيون الحزينة)
يتقلب في الجب ..
أجمل إخوتهم.. لا يعود!

أمل دنقل








===








عندما أفكر: ماذا كان سيصبح شكل حياتي لو لم يكن فيها عبدالرحمن أجدني عاجزاً عن الاجابة ..
لقد صنع كثيراً من حياتي الحالية .. قرأت لبهاء طاهر للمرة الأولى وأنا في منزله من روايته (الحب في المنفى)، سمعت اميمة خليل للمرة الاولى على موبايله .. هو من أخذني لاقتصاد وعلوم سياسية، وعبره عرفت د.هبة ود.سيف وكل الرفاق .. اسم عبدالرحمن كان بوابة دخول لأمور كثيرة خاصة انه ممن وضع لهم القبول في الأرض - بدءاً من احتفاء الميكانيكية حول منزله بنا ومناداتهم "تعالى اشرب شاي يا أستاذ عبدالرحمن" نهاية باحتفاء أحمد داوود أوغلو - فكوني صديقاً لعبدالرحمن يعني اني غالباً شخص جدير بالاحترام من محدثي، أذكر تحديداً تهلل وجه د.محمد صوفار عندما قابلته في مؤتمر مركز دراسات عزمي بشارة في قطر بمجرد نطقي لاسم عبدالرحمن، بعدما ذكرته بنفسي فلم يتذكرني فذكرته بأني عندما قابلته كان معنا عبدالرحمن.








===







سأحلم ، لا لأصْلِح مركباتِ الريحِ
أو عطبا أصاب الروح
فالأسطورة اتٌخذتْ مكانتها / المكيدة
في سياق الواقعيٌ
وليس في وسْعِ القصيدة
أن تغيٌر ماضيا يمضي ولا يمضي
ولا أنْ توقِف الزلزال
لكني سأحلم ،
ربٌما اتسعتْ بلاد لي ، كما أنا
واحدا من أهل هذا البحر ،
كفٌ عن السؤال الصعب : " منْ أنا هاهنا؟
"أأنا ابن أمي ؟
لا تساوِرني الشكوك ولا يحاصرني
الرعاة أو الملوك . وحاضري كغدي معي .
ومعي مفكٌرتي الصغيرة:
كلٌما حكٌ السحابة طائرٌ،
دوٌنت:
فكٌ الحلْم أجنحتي . أنا أيضا أطير
فكل حي ... طائر

محمود درويش







===






في ذكرى هبوطه إلى كوكب الأرض نازلاً من البنفسج ليسير بين التفاصيل أريد أن أقول له: شكراً يا عبدالرحمن لأنك أنت من أنت، أنت أنت لا شيء آخر .. أعرف أنه مهما كنت ((هناك)) فستظل دائماً بالنسبة لي ((هنا))، واضحاً كما الحقيقة، كالشمس تشرق من الشرق لتنير وجهك، أو قلبي على جانب صدري الأيسر يخفق لسماع صوتك بعد غياب


:)