الخميس، 2 ديسمبر، 2010

في مدح كل الصفوف إلا صفاً

لماذا أصر على أن تذهب مبكراً إلى طابور الصباح في مدرستك، ثم أقف قليلاً لأشاهدك أنت وزملائك؟ بصراحة هناك سبب عجيب آن لك أن تعرفه ... أنا أحب الصفوف!

لا يمكنني أن أحدد سبباً واضحاً لذلك، ربما بدأ الأمر مع طفولتي المبكرة حين سمعت هذه الكلمة للمرة الأولى عندما أصطحبني والدي إلى صلاة الجمعة، كان صوت الشيخ المسن ذو اللحية البيضاء الطويلة مهيباً يتردد صداه في المكان الفسيح، وهو يقول: (القدم في القدم والكتف في الكتف يستوي الصف إن شاء الله .. ساوو صفوفكم تستوي قلوبكم، واعلموا أن الله لا ينظر إلى الصف الأعوج .. أتمو الصف الأول ثم الذي يليه فإن كان نقص فليكن في الصف الأخير .. من وصل صفاً وصله الله)

سحرتني حركة الناس لملأ فراغات الصفوف، على الأقل كان والدي يتقدم لثلاثة صفوف كي يملاً الفراغات، وأشاهد خلفنا الفراغ الذي يتركه يمتلئ على الفور بمصل آخر، وهكذا تستمر حركة ملاً الفراغات في سلسلة طويلة بطول المسجد . لم أكن أشارك في الصلاة بل أجلس بجوار قدم والدي، ومن منظور الطفل السفلي كان منظر صفوف المصلين يبعث في قلبي شعوراً بالاحترام والرهبة مما جعلني الطفل الوحيد الذي يظل صامتاً تماماً في مكانه حتى تنتهي الصلاة .

بعد أن كبرت تحول شعور الرهبة من كلمات الإمام المهيبة الغامضة إلى تساؤلات عبثية من قبيل هل الصف الأعوج الذي لن ينظر الله إليه هو صف الصلاة فقط؟ وما جدوى تسوية صفوفنا ما لم تستوى قلوبنا؟ ولماذا يكون النقص في الصف الأخير داخل المسجد فقط، بينما يحدث النقص في الصفوف الأولى في كل مكان آخر؟

أبان طفولتي أيضاً شغفت بصف النمل! كنت أجلس بالساعات منتظراً أن ينتهي النمل من نقل كوم صغير من السكر وضعته بجوار جحره، لكن الساعات تمضي ولا يبدو حتى أنه ينقص، إلى أن يغلبني النوم ثم أستيقظ في اليوم التالي لأجده قد اختفى .

هناك أيضاً ذكريات لعبي مع أقراني في الشارع (عسكر وحرامية)، كنا دائماً نتشاجر لرغبتنا جميعا في الوقوف في صف (العسكر)، بالطبع في أيامكم هذه لا تلعبون معاً أية ألعاب جماعية إلا لو اعتبرنا (الفيفا) كذلك! .. على كل حال أحمد الله أنكم لا تلعبوها، وإلا لتشاجرتم على الوقوف في صف (الحرامية)!

مع تقدمي في السن شغفت بنوعين مختلفين تماماً من الصفوف مثلا لي أيضاً ذكريات حميمة، أولهما صفوفنا في الجيش حيث الانضباط والنظام التام المفقود في أي مكان آخر بما فيه غرفتك، وحيث ذكرى المرة التي تطوعت فيها بشرح آية (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً) لزملائي في العنبر، ثم صدور قرار بعدها بعقابي بالدوران حول الفناء 20 مرة مقلداً مشية البطة!
وثانيهما هو طابور المنظرين لشراء الخبز - كان هذا منذ سنوات قبل أن يتحول الأمر إلى قتال فوضوي لا أكثر - حيث لابد من مشاهد انسانية تشعرني أنه (لسه الدنيا بخير) .. لابد من تلك الطفلة أو المرأة العجوز التي يتبرع أول الواقفين في الطابور باحضار الخبز لها، دون أن يعترض أي شخص ممن يسبقونها على تخطيها الدور، لابد أيضاً من متسول مسن يضع أحد في حجره رغيفاً أو اثنين .

حتى مشتقات الكلمة وأشباهها تمثل لي تفاصيل صغيرة عزيزة وكأن اجتماع حرفي الصاد والفاء لابد أن يعطي شيئاً جميلاً، بدءاً من أختك الصغرى صفاء، ومروراً بالسعي بن جبلي الصفا والمروة عندما ذهبت للحج مع أمك، ومراقبتي للطير (صافاتٍ ويقبضن)، وحتى عبارة (صافي يا لبن) التي تعلن الصلح بين متخاصمين .

ومع حبي لكل تلك الصفوف، فإن هناك صفوفاً هي الأحب لي على الإطلاق، إنه اصطفاف الكلمات لتصنع سطوراً من الكتابة! أعرف أن الربط يبدو لك بعيداً، لكن من قال أن كل تفاصيلنا الخاصة الصغيرة يجب أن تبدو منطقية للآخرين؟
كل كلمة في حد ذاتها لا تمثل شيئاً، لكنها عندما تصطف بجوار مثيلاتها تصنع ابداعاً وسحراً، تصنع كتباً وقصصاً وروايات وشعراً، تخرج بي من هذا العالم الضيق إلى آفاق لا حدود لها لأقترب من أسرار الكون والبشر، أفهم جيداً لماذا قال الرسول (إن من البيان لسحرا)، أنا أول المسحورين، لكنه السحر الحلال، لقد وصلت إلى حد أني أحب منظر الأسطر في الكتب بغض النظر عن محتواها، أحب نظامها، حروفها، حتى علامات الترقيم، الفواصل والنقاط وكل شيء.

لكن نوعاً واحداً منها كرهته من كل قلبي، إنها سطور الصحف! أشعر عندما أنظر إليها بالحصار أو الغرق، تبدو لي طويلة بلا عدد ولا نهاية ولا معنى .
ماذا أضاف لي خبر من نوع (شهيدين في توغل اسرائيلي في جنين)؟ ليست معلومة جديدة أن الشهداء يسقطون منذ ستين عاماً وليس بيدي شيء أفعله لمنع ذلك، فضلاً عن أن الصور المنقولة على الفضائيات أكثر وقعاً وتأثيراً بكثير .. ماذا استفدت من خبر (خمسة مفقودين في سيول فيتنام) أو (مظاهرات كبيرة في ميرامار دعماً لرئيسة المعارضة) إذا كنت لا أعرف أصلا مكان (ميرامار) على الخريطة؟! .. هناك أيضاً أخبار تكررت حتى وصل الناس إلى حالة من التبلد نحوها مثل (اغتصاب فتاة في امبابة)، أظن أن بعض المغتصبين لم يكونوا ليفعلوا ذلك لولا قرائتهم لتلك الحوادث في الصحف!

فإذا انتقلنا إلى المقالات لوجدنا أن أغلبها ينطبق عليه الوصف العبقري (كلام جرايد)، باستثناء عدد محدود من الكتاب ذوي المصداقية دائماً أتسائل: هل كتب هذا الشخص مقالته لله والوطن أم أنه يمدح أو يذم هذا المسئول أو القرار لمصلحة شخصية؟

وفي سياق كل تلك الأخبار والمقالات تمتلئ الصحف بالكثير من الكلام الانشائي الممل الذي أقرؤه منذ كنت في سنك من طراز (المنعطف التاريخي الذي تمر به المنطقة) و (زيارة تاريخية للسيد الرئيس إلى دولة كذا الشقيقة للتشاور بشأن آخر مستجدات الاوضاع الراهنة)

وماذا عن الاعلانات التي لا تمثل أغلبيتها الساحقة لنا أي شيء؟ ما علاقتي بـ (بورتو مارينا)؟ وماذا أضافت لنا صفحات الوفيات التي هي من باب (نحن أكثر منكم مالاً وأعز نفراً) لا أكثر؟

إذا استخلصنا المحتوى المفيد حقاً من الصحف لوجدته لا يتجاوز الربع في أكثرها احتراماً .. هل يساوي هذا كل تلك الأموال التي تنفق كتكاليف طبع وتوزيع ومرتجع ومرتبات وسبوبات لكل هؤلاء؟ لن أتحدث عن أن الصحف هي ورق يصنع من لب الأشجار التي يتم قطعها، لأنه لم يعد هناك من يتحدث بهذه اللهجة في العالم إلا وشكوا في قواه العقلية.

رغم كل هذا مازلنا نحضر الصحف خاصة كثيرة الورق منها، لكن ليس للقراءة بل لاستخدامات أخري .. منذ قليل ضربت الذبابة بالزيارة التاريخية للسيد الرئيس، وها أنا أتناول الخبز من فوق آخر مستجدات الوضع لأغمس في طبق الفول المستقر فوق المنعطف التاريخي، وأتناول كوب الشاي الذي سقطت منه قطرات فوق خمسة مفقودين في سيول فيتنام ... وأيضاً بمجرد نهاية الإفطار ستنزل لتغسل سيارتي، ثم تجففها بالأزمة السياسية في ميارامار عقاباً لك على قلة أدبك وضحكك على كلامي الآن!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق