الجمعة، 3 ديسمبر 2010

والمدى أضرحة ...

أيها الواقِفونَ على حافةِ المذبحهْ
أَشهِروا الأَسلِحهْ!
سَقطَ الموتُ; وانفرطَ القلبُ كالمسبحَهْ
والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ!
المنازلُ أضرحَةٌ,
والزنازن أضرحَةٌ,
والمدَى.. أضرِحهْ
فارفَعوا الأسلِحهْ
واتبَعُوني!
أنا نَدَمُ الغَدِ والبارحهْ
رايتي: عظمتان.. وجُمْجُمهْ,
وشِعاري: الصَّباحْ!


النهارده فى السكشن قعدت ورا خالص لوحدى ورغم زحمه اصحابى اللى بيرغو حواليا كنت فى عالم تانى خالص .. عالم (شرق النخيل) لبهاء طاهر ..

اول ما وصلت لجمله بيقول فيها ((انا من قريه حلحول)) عينى دمعت فورا وقفلت الروايه ....
فكرت انه حرام عليك يا بهاء .. لأ .. انت مش هتكتب المأساه دى هنا ..
لو سمحت كفايه كل اللى كتبته من اولها ....
لو سمحت متتعبنيش كده ....

فتحت والحمد لله لقيته مختصر القصه فى كام سطر بس ..

شعورين متناقضين ..
شعور انه الحمد لله مش هيوجعنى اكتر من كده ..
ملوش لزوم مهو مآسي مذابح فلسطين كتير ومش هيفرق لو الناس نسيو واحده منها حتى لو كانت فى رأيي هيا الأبشع على الاطلاق ..
اطلاق الرصاص وتفجير البيوت على اهلها والدبح كلها طرق موت سريع تبدو قمه فى الرحمه والرقة لو قارنتها بالموت البطىء للغايه بالجوع والعطش لأيام اللى ماته أهل (حلحلول) قدام عيون بعضهم بينما الكلاب يقفون حولهم يتفرجون ....

مش لازم نحطم الناس نفسيا كده والشحن المعنوى موجود بقصص تانى بشعه لكن الى الحد اللى بحتمله البشر ...

وفى نفس الوقت شعور انه ليه مكتبتش اكتر عشان الناس تعرف .. محدش يعرف والموضوع مشفتوش فى حياتى بتفاصيله الا فى كتاب واحد بس ملوش توزيع فى مصر اصلا كان حد جابه لماما من الأردن ... ربما كانت الفرصه الوحيده للقارئ المصرى انه يعرف هو اانك تكتب اكتر يا بهاء مش تختصر المأساه دى فى كام سطر بس ...
كان مفروض تكتبه حتى لو قاسى اوى ومحطم اوى ولا يٌصدق .........


عِندما تهبطينَ على سَاحةِ القَومِ, لا تَبْدئي بالسَّلامْ.
فهمُ الآن يقتَسِمون صغارَك فوقَ صِحَافِ الطعام
بعد أن أشعَلوا النارَ في العشِّ..
والقشِّ..
والسُّنبلهْ.!
وغداً يذبحونكِ..
بحثاً عن الكَنزِ في الحوصله!
وغداً تَغْتَدي مُدُنُ الألفِ عامْ.!
مدناً.. للخِيام!
مدناً ترتقي دَرَجَ المقصلهْ!


كملت قرايه وشويه وأخدت صدمه تانى ...
من شخصيات الروايه الرئيسيه طالب ناشط فى حركه الطلاب ضد الفساد وضد الهدنه والدعوه للحرب من أجل تحرير سيناء فى فتره ما بين 67 و73 بس مفيش اى حاجة محدده وانا كل ده فاكره كلام عام .. بيقولو رايحين الاعتصام وبيوصف المكان عادى وفجأة بيقول انهم شافو مجموعات من الطلاب حول القاعده الفارغه للتمثال ....
فورا فهمت واتصدمت .. مش بيحكى كده بشكل عام عن اى مظاهره .. دى بالتحديد أحداث اعتصام الطلاب فى ميدان التحرير سنه 72 ...
القصه اللى خلدها أمل دنقل فى قصيدته ( سِفر الخروج / أغنيه الكعكه الحجريه) ....


دَقت الساعةُ المُتعبهْ
رَفعت أمُّه الطيبهْ
عينَها..

(دفعتهُ كُعُوبُ البنادقِ في المركَبه!)

دقتِ السَّاعةُ المتْعبه
نَهَضتْ; نَسَّقتْ مكتبه..

(صَفعته يَدٌ..
- أَدخلتْهُ يدُ اللهِ في التجرُبه!)

دقَّت السَّاعةُ المُتعبه
جَلسَت أمهُ; رَتَقَتْ جوربهْ...

(وخزنةُ عُيونُ المُحقَّقِ..
حتى تفجّر من جلدِه الدَّمُ والأجوبه!)

دقَّتِ السَّاعةُ المتعبهْ!
دقَّتِ السَّاعة المتعبهْ!


الطلاب تتشابك أيديهم حول قاعده التمثال يغنون لمصر محاولين ان يغطو بأصواتهم المبحوحه على مكبرات الصوت التى تذيع عليهم انذارات الإخلاء الفورى للميدان تحسبا لاندساس دعاه الشغب بينهم ....!

رغم كل تعب أيام المبيت فى الشارع وقله عددهم ووجود كل العذر لهم لا ينصرفون ....
يحاولون اقناع انفسهم انهم لا يخافون من آلاف جنود السواد المحاصرين للميدان ...
يخفون بالغناء الجماعى رعبهم من المأساه القادمه .....


دقّتِ الساعةُ القاسيهْ
وقفوا في ميادينها الجهْمةِ الخَاويهْ
واستداروا على دَرَجاتِ النُّصُبْ
شجراً من لَهَبْ
تعصفُ الريحُ بين وُريقاتِه الغضَّةِ الدانيه
فَيئِنُّ: "بلادي.. بلادي"
(بلادي البعيدهْ!)

دقت الساعةُ القاسيهْ
"انظروا.."; هتفتْ غانيهْ
تتلوى بسيارة الرقَمِ الجُمركيِّ;
وتمتمتِ الثانيه:
سوف ينصرفونَ إذا البَرْدُ حلَّ.. ورانَ التَّعب

دقتِ الساعةُ القاسيه
كان مذياعُ مقهى يذيعُ أحاديثِه الباليهْ
عَن دُعاةِ الشَّغَبْ -
وَهم يَسْتديرونَ;
يَشتعلون - على الكعكة الحجريَّة - حول النُّصُبْ
شَمعدانَ غَضَبْ
يَتوهجُ في الليل..
والصوتُ يَكْتَسِحُ العتمةُ الباقيه
يتغنى لأعيادِ ميلادِ مصر الجديدهْ!



ثم يأتى مشهد فض الاعتصام بالقوة، والذي اعتقل على أثر 1000 طالب دفعة واحدة!... نفس المشهد الأسطورى الذى حكاه أمل دنقل بالشعر يحكيه بهاء طاهر بالنثر ..
الانذارات تعلو ..
مدرعات الأمن تقترب ..
الطلاب يتماسكون اكثر ويعلو صوتهم بالغناء اكثر ويقتربون أكثر من قاعده التمثال الفارغه التى تبدو كالكعكه، لكنها كعكه حجريه .....
الجنود ينزلون من السيارات ..
الغناء يعلو أكثر ..
تقترب حشودهم السوداء تدريجيا من دائره الطلبه المحاصره ..
الغناء يعلو أكثر ..
قنبله الغاز الأولى تنفجر ..
وتنفجر الدموع من العيون والدم من الأجساد و ...


دقت الساعة الخامسةْ
ظهَرَ الجندُ دائرةً من دروعِ وخُوذاتِ حربْ
ها هُمُ الآن يَقترِبونَ رويداً.. رويداً..
يجيئونَ من كلِّ صَوْبْ
والمغنون - في الكَعكةِ الحجريةِ - ينقبضُونَ
وينفرجونَ
كنبضةِ قَلْبْ!

يُشعلونَ الحناجرَ,
يستدفئونَ من البردِ والظلمةِ القارِسه
يرفعونَ الأناشيدَ من أوجُهِ الحرسِ المقتربْ
يشبكون أياديهم الغضةَ البائِسه
لتصير سياجاً يصدُّ الرصاص..!
الرصاصَ...
الرصاصَ...
وآه..

يُغنُّونَ: "نحن فداؤكِ يا مِصرُ"
"نحن فداؤُ..."
وتسقطُ حنجرة مُخرسه
معَها يسقطُ اسمُكِ - يا مصرُ - في الأرض!
لا يتبقَّى سوى الجسدِ المتهشمِ.. والصَّرخات
على السّاحة الدامِسه!

دقَّتِ الساعةِ الخامسهْ
دقَّتِ الخامسهْ
دقَّتِ الخامسهْ
وتفرَّق ماؤكَ - يا نهرُ - حين بَلَغْتَ المصَبّْ!


روايه صعبه جدا ..
مؤلمه جدا ..
وفى نفس الوقت جميله جدا جدا ..
الجو الحزين الرقيق الشفاف الساحر لبهاء طاهر ...

فضلت بعد ما خلصتها متأثر جدا وساكت خالص .. مش باكلم حد من اصحابى وكل ما حد يسأل مالك فيه ايه اقولهم منمتش كويس وعايز انام .. وبنفس الحجه سبتهم يحضرو المحاضره وروحت البيت ..
مش متأكد تماماً إن كان ده من مدى قوة وتأثير الرواية فعلا، ولا عشان لمست فيا أوتاراً حساسة موجودة مسبقا، لكني متأكد إنها من أكتر المرات في حياتي كلها اللي أتأثر فيها بحاجة أقراها إلى هذا الحد ....


اذكريني ...
فقد لوَّثتني العناوينُ في الصُّحف الخائنهْ!

لوَّنَتْني.. لأني - منذ الهزيمة - لا لونَ لي..
(غير لونِ الضَّياع!)

قَبلَها; كنتُ أقرأُ في صفحةِ الرمل..
(والرملُ أصبحَ كالعُمْلةِ الصَّعبهَ,
الرملُ أصبحَ أبسطةً.. تحت أقدامِ جيشِ الدفاع)

فاذكُريني..
كما تذكُرين المهرِّب.. والمطربَ العاطفيّ
وكَابَ العقيدِ.. وزينةَ رأسِ السّنة

اذكريني إذا نَسيتني شُهوُدَ العَيانِ
ومضبطةُ البَرلمانِ
وقائمةُ التُهمِ المعُلَنه

والوداعَ!
الوداعْ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق