الأربعاء، 15 يونيو 2011

قصة الطبيب الذي تمطر السماء عليه وحده



عندما شعر بتلك القطرات الباردة على رأسه، أسرع في مشيه تلقائياً ليبتعد عن التكييف / الغسيل المنشور / الطفل العابث، لكن قطرات الماء لم تتوقف . رفع يده ليمسح الماء من على جبهته لكنه فوجيء بيده جافة تماماً . رفع بصره لأعلى فشاهد تلك السحابة الصغيرة التي تمطر عليه وحده، وكما هو واضح فهو وحده أيضاً من يراها ويشعر بأمطارها! . بعد أن تجاوز غرابة الأمر فكر في أن الحياة تمنحه فرصة تحقيق حلم طفولته الساذج بامساك السحاب بيديه . مد يده إلى السحابة لكنها كانت أعلى من أعلى ارتفاع ليده بشبر واحد . صعد فوق الرصيف ومد يده لكن السحابة ارتفعت لتل بالضبط على بعد نفس الشبر . صعد إلى سطوح منزله وأحضر صندوقاً وقف عليه وكرر المحاولة فتكررت النتيجة . مازال حلماً مستحيلاً إذاً .

أصبح منذ تلك اللحظة يرى سحابات كل البشر . يشتري اللحم من الجزار الغشاش (سحابة تبعث رائحة كريهة) . يبتعد في الشارع عن ذلك الضابط (سحابة سوداء) الذي يسحب رخص سائق سيارة الأجرة العجوز (سحابة تبكي مطراً غزيراً) . يستمع إلى محاضرة الأستاذ المغرور (سحابته أعلى من رأسه بأمتار كثيرة) . يتشاجر مع سحابة رعدية تقود سيارتها بسرعة وتهور . سحابة أمطار حامضية تعاكس بنت جيرانه فينهرها . يصلي في المسجد خلف سحابة بيضاء نقية .

في اليوم التالي ذهب إلى المستشفى ليتابع الحالة التي اختار أن يكون مسؤولا عنها بعد تهرب الجميع، لا أحد يحب تحمل مسئولية حالة ستموت قريباً . الأطفال رائعين عندما يكون منظرهم جميلاً ولامعاً كأطفال إعلانات الألبان والحفاظات، والعطف عليهم يمنحك مظهر الطبيب الانسان ذو القلب الرقيق، لكن إذا أصبح أحد هؤلاء الأطفال محروقاً حتى التفحم، مشوهأ بجروح متقرحة مليئة بالصديد والرائحة الكريهة، فلا أحد يطيق مجرد النظر إليه .

سمع الغناء من على باب الغرفة، ثم دخل فرأى تلك السحابة الشفافة تحمل الطفل وتغني له . اقترب منهما فشاهده الطفل الذي نظر مباشرة إلى سحابته وكرر ما كان يقوله منذ أيام دون أن يفهمه أبداً: "أمو .. آيز .. آبة" . قالت له باسمة : "بيقولك عايز سحابة .. ماتديه من سحابتك حتة!" . 
اقترب اكثر، فمد الطفل يده، ونزلت له السحابة فأخذ منها قطعة صغيرة صغيرة، ووضعها لها في جيب المعطف الأبيض أمام قلبها بالضبط، وكانت سحابتها الآن تتحول للون الوردي، وكان الطفل يضحك، وكان راتبه الضئيل، ومستقبله الغامض، والمستشفى بضوضائها وزحامها ومآسيها، والأستاذ المغرور، وكل السحاب الأسود يبدون بعيدين جداً، وكان قوس قزح يمتد بين سحابتيهما .







===





كنت كاتبها من مدة طويييلة كتجربة في هذا النوع من الكتابة - بيسموه الواقعية السحرية - اللي اصلا مليش فيه، ولما قريتها دلوقتي مش حاببها بس لا بأس من نشرها برضه وجايز تعجب حد فكما يقولون (كل فولة ولها كيال) حتى لو كنت انا نفسي زارع الفولة دي مش هكَيِّلها!

هناك 8 تعليقات:

  1. أسلوبك جميل و مدونتك ككل جذابة و مشوقة فى الحقيقة ...لطفاً لا تبخل علينا بالمزيد من إنتاجك , زيارتى الأولى ولن تكون الأخيرة .

    أرجو أن تشرفنى فى مدونتى الصغيرة : بره الشبابيك

    http://reeeshkalam.blogspot.com/

    ردحذف
  2. بعد التحية
    تم اضافة مدونتكم الى ـ مدونون بلا قيود ـ
    وسوف ننشر مواجز وروابط لكل تدويناتكم خلال نصف ساعة من نشركم لها
    للتفاصيل http://modawenon.tumblr.com/icq

    ردحذف
  3. [جميلة جدا واخاذة وياريت من مزيد

    ردحذف
  4. أكتــر من رآأإئـــ ع ــة

    ردحذف
  5. مشكوووور .. وتسلم ايديك على الموضوع الممتاز
    umzug-Transport
    Räumung-bookmarks

    ردحذف
  6. مشكور يالغالي ودام عزك
    http://nadimlove.blogspot.com/

    ردحذف