السبت، 28 يوليو، 2012

بين حركة الجيش الثورية والثورة الشعبية الإصلاحية





عندما سارت الدبابات في شوارع القاهرة في يناير 2011 بينما جموع الشعب تحيطها وتهتف بحماس (الجيش والشعب إيد واحدة) بدا وكأن ستون عاماً من الزمن قد تم اختصارها لنستعيد مشهد هتاف الشعب حول دبابات جيش  23 يوليو (عاش القائد العام) (عائت حركة الجيش)، لكن هل حقاً يكفي هذا المشهد لمقاربة حقيقية؟ هل حقاً هؤلاء العسكر هم نفس العسكر وهذا الشعب هو نفس الشعب؟


بين عسكر 23 يوليو وعسكر 25 يناير

كان عسكر 23 يوليو في مجملهم من أبناء الطبقة الوسطى المصرية، هذه الطبقة التي كانت دائماً عماد الحركة السياسية والشعبية، كانوا قادمين من قلب شعبهم حاملين آماله وطموحاته وإحباطاته وحتى اختلافاته، لذلك كان الضباط الأحرار من كل الاتجاهات السياسية، الإخوان كعبدالمنعم عبد الرءوف، والشيوعي كأحمد حمروش وخالد محيي الدين، والليبرالي كزكريا محيي الدين، وفي مجملهم هم أبناء تجارب وطنية كمحمد نجيب الذي فاز في انتخابات نادي الضباط ضد رغبة الملك، أو عبدالناصر الذي حوصر في الفالوجة في حرب فلسطين، او السادات الذي شارك في اغتيال أمين عثمان ودفع ثمن ذلك فترة من الفصل من الجيش بما تبع ذلك من فقر وعوز.

أما عسكر 25 يناير فهم الجنرالات كبار السن المعزولين تماماً عن شعبهم حتى بالمعنى الحرفي للكلمة - يسكنون في (كومباوندز) راقية معزولة سواء في القاهرة أو في الساحل الشمالي! -  لم نعرف لأحدهم أبداً أي نشاط سياسي أو أي آراء في أي شأن عام، هم أبناء سياسات الرؤساء الثلاث في عزل الجيش تماماً عن الحراك السياسي والمجتمعي لعلمهم بأنه عنصر القوة الأهم في الدولة المصرية، كأن الجيش كان الباب الذي دخل منه عسكر يوليو إلى السلطة ثم حرصوا على ان يغلقوه من خلفهم تماماً!
وبالتوازي مع سياسة عزل الجيش عن الشعب كان يتم إنشاء شبكة مصالح الجيش المستقلة الهائلة، فشهد الجيش تغولاً هائلاً في الهيئات المدنية الاقتصادية التابعة له من مصانع ومزارع وحتى محطات بنزين وفنادق، كما تم إقرار قاعدة أن الرتب الكبيرة في الجيش يتولون بمجرد تقاعدهم مختلف المناصب القيادية المدنية في الدولة بدءاً من المحافظ وحتى رئيس جهاز محو الأمية!

لذلك كان جيش 23 يوليو هو الأقرب للحس الشعبي وسرعة الاستجابه له، بل كان هو المبادر للحركة قبل الشعب نفسه، بعكس جيش 25 يناير بطيء الحركة صعب الاستجابة الأقرب لكونه جيش حكام الشعب لا جيش الشعب!




بين شعب 23 يوليو و شعب 23 يناير

شعب 23 يوليو هو الشعب المفعول به، الشعب الذي تحرك الجيش بالنيابة عنه ثم احتكر السلطة واحتكر الحديث باسم هذا الشعب نفسه، فالسلطة تقرر أن الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب ثم يكون للسلطة وحدها حق تحديد من هو الشعب ومن هم اعداء الشعب .
هو الشعب الموجه دائماً بفضل وسائل غسيل العقول الهائلة التي لم تتوفر لنظام في مصر كما توفرت لنظام يوليو، كل الصحف والإذاعة والتلفزيون والمغنيين والممثلين، الكل يروج لمشروع واحد في اتجاه واحد، وفي غياب تام لأي صوت آخر.

أما شعب 25 يناير فهو الشعب الفاعل، الشعب الذي يهتف بنفسه قائلاً أنه (يريد) كذا، الشعب الذي سبق الجميع، سبق جيشه وكل نخبه السياسية وحتى توقعات عالمه أجمع، وساعد على ذلك أن عهد احتكار الصوت قد انتهى إلى الأبد، فقد منحت التكنولوجيا من انترنت وقنوات فضائية وهواتف محمولة أفقا واسعاً لغاية في توصيل المعلومات خارج إعلام السلطة الرسمي، وفي تنظيم التحركات المعارضة، فالآن يمكن في بضعة أيام فقط تنظيم مظاهرة كبيرة عبر (ايفنت) على (الفيس بوك) يحتشد لها الكثير ممن لا يعرف منظموالمظاهرة عنهم أي شيء، بعكس الوضع سابقاً عندما كان الإبلاغ يتم بشكل فردي شخصي بحت.

وفي كلا الحالتين كان الشعب هو ذلك المسكين المتعب، الذي أرهقه نهب الإقطاعيين في الأولى، وفساد رجال الأعمال المحتكرين في الثانية، والذي غضب للإهانة الوطنية التي تعرضت لها بلده بهزيمة حرب فلسطين في الأولى، أو بانبطاح سياسة مبارك لأمريكا وإسرائيل في الثانية.



بين أعداء شعب 23 يوليو وأعداء شعب 25 يناير

لم يختلف اعداء الثورتين في جوهرهم وإن اختلفوا في صورتهم، فحل رجال الأعمال الذين جمعتهم شبكات مصالح هائلة مع رجال النظام القديم ومع القوى الدولية بممثليها من الشركات متعددة الجنسيات محل الإقطاعيين القدماء بما جمعهم أيضاً من مصالح مع رجال الملك ومع القوى الاستعمارية، هذه القوى التي بدلت شكل احتلالها من الاحتلال العسكري المباشر في الماضي إلى الاحتلال الاقتصادي والسياسي المستتر في هذا العصر.




بين عالم 23 يوليو وعالم 25 يناير

كان عالم ثورة يوليو عاملاً مساعداً لها، فهو العالم متعدد الأقطاب الذي يمكن استغلال تناقضاته لإيجاد حيز من الاستقلال وحرية الحركة لدى الدول النامية، وهكذا كان بإمكان عبدالناصر القيام بمناورات كلجوئه للاتحاد السوفيتي لتمويل مشروع السد العالي بعد رفض البنك الدولي أو كعقده صفقة الاسلحة الشرقية بعد رفض الغرب بيعه له.

بينما عالم ثورة يناير هو عالم أمريكا القطب الواحد، عالم الهيمنة الغربية الكاملة، رغم محاولات الصين وروسيا ايجاد شروخ في هذا الصرح فمازال من الصعب الفكاك منه.



بين قيادة 23 يوليو وقيادة 25 يناير

ربما كان هذا هو سبب الاختلاف الأبرز بين مساري الثورتين، فثورة يوليو وصل قادتها إلى الحكم فوراً ليكونوا في موضع مسئولية تنفيذ شعاراتهم، وهكذا كان قادة الثورة هم أنفسهم حكام البلد وهم أيضاً رموزها!

أما ثورة يناير فكانت بلا قائد محدد، لعب السلوك الجمعي للشعب كله هذا الدور، ولكن رغم كون هذا وضعاً ممتازاً للعمل الميداني فلا أحد يملك إعطاء الأمر بفض الميدان وإنهاء الثورة، فقد كان وضعاً سيئاً للعمل السياسي ، ففي غياب قادة للثورة تسلم الحكم جزء من النظام القديم هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ومن بعده عبر الانتخابات تسلمه جزء من المعارضة القديمة، بينما على صعيد آخر تمكنت الثورة من إفراز رموزها الخاصة المستقلة تماماً عن هذه المنظومة، وهكذا فرضت الثورة على الفضاء العام أسماءاً كوائل غنيم ومينا دانيال والشيخ عماد عفت وأحمد حرارة ....الخ



بين ثورية 23 يوليو وإصلاح 25 يناير!

كانت ثورة يوليو - رغم أن إطلاق هذا الاسم عليها اتى متأخراً، وكانت تعرف باسم (حركة الضباط) او (الحركة المباركة) - ثورة حقيقة على كل الأصعدة أدت لقطيعة كاملة مع ما قبلها، تم تغيير الطبقة السياسية الحاكمة تماماً بكل مكوناتها من ملك وأحزاب موالية وأحزاب معارضة، تم تغيير السياسات الاقتصادية لتصبح منحازة للعمال والفلاحين والطبقة الوسطى وتم سحق الاقطاعيين بأشد الوسائل جذرية، ثم تغيير السياسات الخارجية لتتحول مصر المحتلة إلى الدولة القطب الحاضنة لحركات التحرر الأفريقية والعربية.

بينما تبدو ثورة 25 يناير حتى الآن إصلاحية بامتياز، لم يتغير واقعياً إلا أقل القليل، ومازالت مكونات النظام القديم لم تراوح مكانها إلا بنظام الكراسي الموسيقية ، المعارضة القديمة الإخوانية والمدنية تأخذ مجالاً أكبر قليلاً، (القلب الصلب) للدولة أي الجيش تتراجع مكانته قليلاً، وبالمثل رجال الأعمال مع احتفاظهم بمميزاتهم الهائلة، مصر الخارجية مازالت حليفة أمريكا وإسرائيل والخليج وعدوة إيران، مازال الشباب يتظاهرون للإفراج عن رفاقهم المعتقلين، ومازال العمال الفقراء يعتصمون من أجل حقوقهم .
مازال الطريق طويلاً ..




................




(*) تم نشر هذا المقال بعد اختصاره على موقع مجلة (بص وطل) :
http://www.boswtol.com/politics/reports/12/july/23/62619

الفائز الأكبر في انتخابات الصعيد


"هو الحكومة إيه غير ناس معاها سلاح؟. إحنا ناس أكتر ومعانا سلاح أكتر!".
بهذه البساطة والبلاغة عبر أحد أصدقائى من سوهاج عن جوهر النظرة الندية للمجتمع فى الصعيد إلى الدولة، هذه الدولة الحديثة التى عَرَفها عالم الاجتماع الألمانى الشهير ماكس فيبر تعريفا قريبا من تعريف صديقى بأنها (المؤسسة الاجتماعية التى تحتكر العنف)، ولأن المجتمع فى الصعيد مازال محتفظا بكثير من أسباب قوته الداخلية، كالروابط العائلية العشائرية الواسعة، والاعتزاز بحمل السلاح، والحرص الشديد على حفظ الكرامة، واعتبار إهانة الفرد إهانة للمجموع... إلخ، مازال المجتمع يحتفظ بقوة يمكنها التفاوض مع قوة الدولة، لا الخضوع الدائم المستكين لها.

أفكر فى هذا بينما أسمع مرارا من أصدقائى فى القاهرة، وأحيانا من أصدقائى فى مدينة أسيوط التى لا تختلف كثيرا عن القاهرة الحديث باستنكار شديد عن هؤلاء (المتخلفين) الذين يجب أن تخضعهم الدولة بفرض كامل سيطرتها وإرادتها بكل حزم وشدة، حدث هذا أثناء مظاهرات واعتصام قنا رفضا للمحافظ، وتكرر مؤخرا بعد مظاهرات رفض التزوير لعبدالرحيم الغول فى الانتخابات.

أفكر فى أنه لماذا يعتبر الجميع أن الدولة الحديثة هى الإجابة الأصوب دائما؟ من قال إنه ليس لها عيوب قد لا تقل عن عيوب الحفاظ على قوة المجتمع التقليدى؟

ينقل اللبنانى محسن عامر فى سياق حديثه عن سر صمود حزب الله قول الكاتب الكندى من أصل إيرانى داريوش رجالى: يجب ألا نتصوّر أن كل ما هو حديث يصبح ـ بالتعريف ـ أكثر فعالية ونجاعة مما هو تقليدى.

يقارن داريوش بين حروب إيران قبل (النظام الجديد) وبعده، والنظام الجديد هو اسم مشروع تحديث الدولة على النمط الأوروبى، قبل النظام الجديد كان الشّاه يواجه عدوا خارجيا فيحشد جيشا يشبه كرنفالا من القوميّات، كل مقاطعة ترسل رجالها: من الصّحراء فرسان البختيار مرهوبو الجانب، ومن الجبال ينزل أغوات الأكراد على رأس رجالهم، ومن الشرق مقاتلو البلوش الأشداء والقبائل المحاربة الأفغانيّة. إذا هُزم جيش الشاه كانت هذه الأقوام تعود ببساطة إلى ديارها النائية، حيث تخوض حربا واسعة النطاق طويلة الأمد تمنع العدو ـ حتى لو احتل العاصمة ـ من تحقيق أى سيطرة حقيقية على البلاد، فضلا عن فرض الضرائب عليها أو استغلال مواردها.

لكن بعد تطبيق (النظام الجديد) صار على بريطانيا أو روسيا، ببساطة، أن تهزم جيش الشاه فى معركة فاصلة ـ تستغرق دقائق أو ساعات ـ وتحتل العاصمة، فتستعمر البلاد بالكامل!

فى ضوء هذا نفهم لماذا كان دائما الصعيد ـ الأقل تحديثا ـ هو الأكثر مقاومة وصمودا، منذ الحملة الفرنسية التى بمجرد هزيمتها جيش المماليك فى موقعة إمبابة دخلت القاهرة بلا مقاومة تذكر، وتوغلت حتى بنى سويف حيث بدأت مقاومة الأهالى العنيفة بدعم من تنظيم مراد بك، واستمرت مقاومة الصعيد عشرة أشهر حتى صالح الفرنسيين مراد بك على أن يظل هو حاكم المنطقة مقابل أن يدفع لهم ضريبة، أى أن الاحتلال الفرنسى فى الواقع اقتصر على شمال مصر فقط.

●●●

لكن قدوم محمد على بعدها بمشروعه لإنشاء (الدولة الحديثة) على النمط الغربى أدى لتفكيك هذا المجتمع عبر احتكار الدولة لوسائل الإنتاج وهى الأراضى الزراعية هنا، واحتكارها للقوة عبر إدخال نظام التجنيد الإجبارى للمرة الأولى وقصر حمل السلاح على القوات النظامية فقط، لذلك لم يكن عجيبا أن يتمكن الإنجليز بعدها من غزو مصر كلها بلا مقاومة بمجرد هزيمتهم لجيش عرابى فى التل الكبير، فلم يعد المجتمع القوى الذى قاوم الغزو الفرنسى موجودا، لقد قضى عليه تحديث محمد على!

لماذا لم نسمع عن حالات موت تحت التعذيب فى أقسام الصعيد؟ لماذا لم تجرؤ قوات الأمن على إطلاق الرصاص على المظاهرات أثناء الثورة؟ لماذا لم أر هنا أبدا أمين شرطة يوقف سيارة أجرة ليطلب ببجاحة 50 جنيها لأن «الباشا عايز يفطر»؟

لأن علاقات القوة بين الدولة والمجتمع مختلفة تماما، كلاهما ند للآخر، وكلاهما يتفاوض مع الآخر، ولنتذكر أن الإرهاب فى الصعيد لم ينته إلا بمساعدة بعض العائلات الكبيرة التى تحالفت مع الداخلية ليصل الطرفان إلى اتفاق ضمنى بمقتضاه تنازلت الدولة عن جانب من حقها القانونى فى منع تجارة المخدرات والسلاح، مقابل تنازل المجتمع عن جانب من أعرافه بحماية أبنائه والثأر لهم ـ خاصة أن الإرهابيين خرجوا على مجتمعهم أيضا لا على الدولة فقط ـ بل وصل البعض كعزت حنفى فى أسيوط ونوفل فى نجع حمادى إلى القبض بأنفسهم عليهم وتسليمهم.

وعلى الجانب الآخر لماذا لم تتوجه مظاهرات الصعيد نحو الأقسام وتحرقها رغم أن الأمر هنا سيكون أسهل بكثير؟

لأن الأقسام هنا لا تحتل نفس مكانة القمع للمجتمع بنفس القدر الموجود فى الشمال، وظهر هذا بوضوح أثناء الثورة فحتى عند توجه الناس لبعض الأقسام لإحراقها اكتفى الضباط بإبعادهم بالعصى وقنابل الغاز فقط، بل إنه فى إحدى الحالات ما إن عرف مأمور القسم بأسماء محركى المظاهرة حاملى المولوتوف حتى أرسل لكبار عائلاتهم وجعلهم وسطاء لإرضاء المتظاهرين بحل مشكلة تخصهم عند المجلس المحلى، فتم فض المظاهرة وديا!

ودائما كانت مظاهرات الصعيد فى المدن، والراغبين فى المشاركة من أهل القرى يأتون للمدن، ليس فقط للغياب التام للإعلام بل أيضا لغياب مظاهر الدولة التى سيتظاهرون ضدها.

المجتمع قد يلتف على قوانين الدولة بأشكال تبدو صادمة للغريب، مثلا عند رفع سن زواج الفتيات إلى 16 عاما كان الناس يلتزمون بذلك، لكنهم لم يعودوا يطيقون صبرا بعد رفعه مرة أخرى إلى 18 عاما، لذا كان الحل أن يكتفى الأهل الواثقون ببعضهم بكتابة عقد زواج عرفى، ثم بعد أن تصل الفتاة إلى السن يقومون بتوثيقه عند المأذون!

وفى المقابل الدولة أيضا تلتف بنفسها على قوانينها، مثلا أعرف فى بلدى عائلة شهيرة بتجارة المخدرات، وعندما يقرر الأمن تجريد حملة لملاحقتهم يهربون إلى التضاريس الصعبة خلف البيوت حيث الأراضى الزراعية الواسعة ثم الصحراء الأوسع ثم جبل أسيوط الذى كان فى وقت ما ملجأ آمنا للإرهابيين، وبدلا من مطاردتهم تكتفى الحملة بمصادرة ما تجده فى المنزل من سلاح غالى الثمن، ومصادرة سيارتهم الربع نقل، وهكذا تتماهى الدولة تماما مع المجتمع، فهى تلغى قانونها لتتعامل بقانون المجتمع فى العقوبات العرفية المالية!

●●●

الوضع الحالى غير مقبول أبدا، لكن البديل ليس بالضرورة سحق المجتمع وتفكيكه، الدولة الحديثة على النمط الغربى اختراع جديد طبقه محمد على لم يتجاوز عمره فى مصر قرنين من الزمان، بينما المجتمع سابق عليها بآلاف السنين، لا يمكن أن يلغى اللاحق سابقه العريق المتجذر فى الأرض والنفوس بهذه السهولة، ولكليهما مزايا ضخمة وعيوب كارثية، فهل يمكن أن يتأثر أحدهما بالآخر ليخرج لنا منهما طريق ثالث أكثر توافقية يستعين بالمجتمع لضبط انحرافاته بنفسه بمساعدة الدولة؟

الإجابة هى: نعم، يمكن ذلك، وما أسفرت عنه الانتخابات هو خير دليل، فقد كان البعض يتوقع أن تكون انتخابات الصعيد كارثة، تسيل فيها الدماء أنهارا، ويكتسح فيها الفلول المقاعد، لكن الواقع أثبت الخطأ التام لهذا، فالانتخابات تمت بسلام بلا أى ضحايا، وللمرة الأولى صوت جانب كبير من الناس على أساس سياسى وطنى، إلى حد أن جميع أصدقائى النوبيين صوتوا لمحمد العمدة المرشح الثورى رغم أن منافسه مرشح الإخوان كان نوبيا، وهكذا كانت لحظة إعلان فوزه هى أيضا لحظة إعلان الفوز الأكبر للمجتمع فى هذه الجولة من معركته ضد التعصب العشائرى أو الدينى الأعمى.

وتظل قصة عبدالرحيم الغول نموذجا لافتا، فالرجل ذو العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية الضاربة فى عمق النظام، تلقى هزيمة ساحقة فى كل أرقام الفرز حتى فى قريته نفسها، ثم فوجئ الناس فجرا بإعلان دخوله الإعادة بحجة وصول صناديق جاءت متأخرة وبالصدفة كلها بلا أختام!

ثار الناس وملأوا شوارع نجع حمادى بالمظاهرات، وتم غلق طرق القطارات والسيارات لفترة محدودة ـ يضطرون لهذا الفعل آسفين لأنها الطريقة الوحيدة التى تجعل الإعلام يبدأ فى الالتفات لهم ـ واستمروا فى التظاهر والاعتصام أمام مقر مجلس الدولة حتى صدر الحكم التاريخى بإلغاء الانتخابات وإعادتها فى 14 يناير، ليكون أبلغ رد على التناول الإعلامى المتحيز والمضلل كعنوان موقع الإهرام (أنصار المرشحين الخاسرين بقنا يقطعون السكة الحديد)!

واللافت للنظر هنا أن المظاهرات والاعتصامات لم يكن فيها أى مظهر للتمييز العشائرى أو الدينى أو حتى السياسى ـ لم يرفع أنصار مرشح الإخوان الخاسر بالتزوير شعاراتهم ـ بل فقط شعارات موحدة للجميع مثل (لا للفلول) (لا للتزوير)، وأيضا لم يلجأ أى شخص إطلاقا لاستخدام السلاح، وفتح السكة الحديد تم بتفاوض مع الناس وإقناعهم لا بالحل الأمنى لإجبارهم.

الصيغة التوافقية بين المجتمع الصعيدى والدولة تبدو الآن أقرب من أى وقت مضى، يمكن البناء على خلفية ما حدث فى الانتخابات لتثوير المجتمع بأدوات من داخله، يمكن للدولة مثلا دعم دور واسع النطاق لشيوخ الأزهر أو شيوخ الصوفية ذوى التأثير الكبير، ولمجالس عرفية من كبار العائلات للوصول لتعهدات شرف بخصوص بعض الأمور كتجارة المخدرات والاستخدام غير المبرر للسلاح، مع إقرار حق الدولة فى تنفيذ العقوبات القانونية لمنتهكى ما يتم الاتفاق عليه.

كما يمكن تعديل بعض القوانين كجعل سن زواج الفتاة أصغر مشروطا بالكشف الطبى الإجبارى للتأكد من مناسبة ذلك صحيا، وتعديل قانون حمل السلاح لجعله أكثر تساهلا ـ بحدود بالطبع ـ مع حامليه لحماية حيازتهم من الأراضى، ولنتذكر هنا أن المجتمع الصعيدى بطبعه يضبط سلاحه بنفسه ويشهد على ذلك أن حالات قتل الأبرياء نادرة جدا، ولنتذكر أيضا أن حمل السلاح فى أمريكا أكثر الدول حداثة مسموح به لأى مواطن!

الدولة ليست إلها قوانينه شرع مقدس لا يُرد، إشراك المجتمع فى إدارة شئونه، واحترام خصوصيته، وتفاوض الدولة معه، ودعمها لآليات من داخله لتغيير سلبياته ليس عيبا أو حراما، فقط ثوروا على الأحكام المسبقة فى عقولكم كما ثرتم على مبارك فى أرضكم.


.......................
(*) تم نشر هذا المقال في جريدة الشروق بتاريخ 16 - 1 - 2012