الخميس، 7 يوليو، 2011

عفواً أ.إبراهيم عيسى .. بل الفقراء أهم من الحرية !


بناء على طلب العديد من الأصدقاء أود التعليق على مقال أ.إبراهيم عيسى في التحرير: الحرية أهم من الفقراء

علماً بأن الفكرة قد اكتسبت بحمد الله استقلاليتها التامة المتجاوزة للأشخاص، وقد تناولها العديد من الكتاب ومرشحي الرئاسة دون الاشارة مطلقاً لي، وبالتالي لا كلام أ.إبراهيم موجه لشخصي، ولا كلامي موجه لشخصه، المهم هو الفكرة فقط بغض النظر تماماً عن الأشخاص



"الذى يثرثر بحماقة طيبة ومخلصة أن الناس خرجت، لأنها تريد لقمة العيش، ولأنها تعاني البطالة، فإنه يردد نفس كلام مبارك
 "الناس لم تخرج لأنها فقيرة، الناس خرجت لأنها شعرت بالذل، والمهانة، والإهانة من الاستبداد، والظلم، والتوريث"

لا أعرف لماذا يتم تصوير الأمر في صورة هذه الثنائية الجامدة، إما أن يكون الناس خرجوا لأنهم فقراء جوعى، وإما خرجوا من أجل الحرية والكرامة؟ ثم لماذا يتم تصوير أن الحرية والكرامة مفهومهما الوحيد هو الدستور والانتخابات مما يذكرني بقولبة الثورة لحصرها في شباب الطبقة المتوسطة المسيسين أو (ثورة الفيس بوك) - ودورهم مهم جداً لا ينكره أحد طبعاً - متجاهلين تماماً باقي مكونات الشعب الثائر؟
خرج الناس ليفرغوا غضباً متراكماً عبر سنوات من أحوالهم المعيشية الصعبة، ولكرامتهم التي ينتهكها أتفه أمين شرطة يوقف الميكروباص ليسرق 50 جنيه، أو مخبر بإمكانه أخذ أي شخص تحري وتعذيبه لأيام .. أكثر من شهادة حكاها لي أصدقاء من القاهرة والأسكندرية عن أنهم عندما بدأ الأمن في قمعهم في المناطق الشعبية كانت هتافات (الحقونا الحقونا .. الأمن بيضربونا) (إحنا اخواتكو إحنا ولادكو .. إحنا بنعمل كده علشانكو) من أهم ما استفز كرامة وشهامة الناس الفردية لينضموا إليهم .. هل يعنى أنهم نظروا لكرامتهم بالمنظور الفردي المباشر - انتهاكات الشرطة وقمعها - ولم يفكروا في الدستور والانتخابات أنهم بلا كرامة؟!




"لم تكن ثورة فقراء، ولا ثورة جياع، ولا هذه الفلسفة المسنة التي يرددها بعضنا هذه الأيام، زعما أن الناس لا تهتم بالانتخابات أولا، أو الدستور أولا، وأن المهم هو الفقراء أولا"
 "الذى يزعم أن الناس لا تهتم بالدستور أولا، أو الانتخابات أولا، ويهمها فقط أكل العيش، لا أعرف شاف الناس فين وقالوا له هذا الكلام إمتى؟ ثم حتى لو قالوا، يجب أن نرد عليهم بما يوعيهم"

الذي زعم ذلك شاف الناس في الميادين والشوارع أثناء الثورة، وفي القهاوي والميكروباصات، وفي قريتي الفقيرة التي ذهبت إليها بعد الثورة لأسمع الناس يقولون بأنفسهم ما يريدون حقاً دون الحاجة لممثلين - بالمعنى السياسي أو الدعائي - يتحدثون من مقاعدهم الوثيرة في التكييفات - سواء تكييفات مكاتبهم أو سياراتهم - من ذلك المنظور الفوقي لـ "يوعوهم"!
وعي الناس يبدأ بما يمسهم ويلمسهم فردياً، ثم قد يقودهم تلقائياً لربط تلك المطالب الاقتصادية بالسياسية، ويبقى دور (النخب) في أن يتعلموا منهم هذا الربط بين المحورين، التوعية عملية متبادلة هنا !
أول بروفة للثورة المصرية حدثت في انتفاضة المحلة 2008، ولنتذكر هنا انها بدأت من 2007 كحركة مطالب عمالية بحتة تقتصر على رفع الأجور والبدلات وبمعزل تام عن كل القوى السياسية



وفي 6 أبريل 2008 بدأ العمال في المحلة اضرابهم وتظاهرهم هاتفين: مش هنسلم مش هنخاف .. مش لاقيين العيش الحاف، ثم ارتفع سقف مطالبهم نتيجة القمع الأمني العنيف للهتاف ضد مبارك ولإسقاط صوره ولثورة شعبية كاملة هناك تحدت سطوة الأجهزة الأمنية



وهذا الانتقال من الاقتصادي الفردي إلى السياسي تكرر مرات بعدها، فالعمال نقلو احتجاجاتهم من مصانعهم في الأقاليم إلى القاهرة العاصمة، وإلى رصيف مجلس الشعب حيث مركز السلطة السياسية، وحيث تم اعتقال العديد منهم واستجوابهم على يد أمن الدولة دون أن يرهبهم ذلك، وفي 19 يناير كان المئات يهتفون أمام مكتب النائب العام "يا رئيس الجمهورية .. إحنا عمال غزل المنوفية"، وفي 22 يناير كان هناك اعتصام لعمال غزل المحلة أمام رئاسة الجمهورية بمصر الجديدة.

ولا أنسى أبداً أن أول مرة ينضم فيها مجند أمن مركزي إلى المتظاهرين إيذاناً باهتزاز سيطرة الدولة على آلتها القمعية كانت في مظاهرة حركة كفاية في ميدان عابدين عام 2005 احتجاجاً على البطالة تحت شعار (عايز أشتغل يا كبير) وهو ما شعر المجند البسيط انه يلمسه شخصياً .




"الشعارات التي ظهرت على استحياء في التحرير حول حد أدنى للأجور، رفعها على الحوائط وفي بعض تجمعات المظاهرات شباب يساري اشتراكي رائع، شارك في الثورة، وأحب أن يترك بصمته فوق جبين الحدث، لكننا على كثرة ما رأينا، وعشنا في مظاهرات الثورة، وظواهرها، لم نجد شابا يرفع لافتة من آلاف اللافتات المدهشة يقول فيها: عايز وظيفة، أو أنا عاطل"


أستغرب هذه الطريقة السطحية للحكم على مطالب الناس، وكأن كل مالم يتم رفعه بشكل صريح متكرر أثناء الثورة لم يكن من مطالبها .. بهذا المنطق فانا لم أرى أحد يقول (عايز حريتي في إصدار الصحف) مثلا! .. ثم من قال أن المطالب الاقتصادية لم تظهر  بشكل صريح وواضح جداً؟! .. منذ اليوم الأول 25 كانت الهتافات المعترضة على الأوضاع المعيشية حاضرة وأبرزها (عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية)، وحكى لي أحد أصدقائي من الأسكندرية عن أنهم بدأوا التظاهر بخمسين فرد فقط من منطقة شعبية فتعمدوا اختيار الهتافات التي تمس الناس من نوع (يا سوزان قولي للبيه .. كيلو العدس بعشرة جنيه) (هما بياكلو حمام وفراخ .. وإحنا الفول دوخنا وداخ) وهو ما أدى بالفعل لانضمام الكثيرين إليهم.
وكان لإعلان عشرات الآلاف من العمال في 9 و 10 فبراير في مختلف القطاعات إضرابهم لمطالب "فئوية" أثر كبير في إسقاط مبارك بعد أن تحولت الحركة إلى ما هو أقرب للعصيان المدني. 



"الآن نشهد بعضنا يخرفون بمنتهى العقل لنا: إن الاقتصاد أهم من السياسة وإن الاستقرار أهم من الجدل والخلاف بين التيارات وإن الناس غير مشغولة بالأحزاب أو الانتخابات أو الدستور"

في العالم كله كان دائماً الاقتصاد بنفس أهمية السياسة إن لم يكن أكثر أهمية، ليست هذه (تخاريف بمنتهى العقل) خاصة بنا! .. كانت دائماً المطالب الاقتصادية والاجتماعية هي الأساس للثورات وهي ما ينشأ عنها المطالب السياسية وليس العكس، منذ الماجنا كارتا أول وثيقة دستورية في العالم في بريطانيا عام 1215 التي كان سببها الرئيسي رفض النبلاء لفرض الملك ضرائب جديدة، ومروراً بالثورة الفرنسية التي قامت عندما أصبح ثمن رغيف الخبز هو أجر العامل بكامله، والثورة الروسية 1905 التي أدت لنشوء مجلس الدوما الامبراطوري ثم الثورة البلشفية 1917 التي أطاحت بالقيصرية الروسية تماماً وكانت شرارتها مسيرة من عاملات النسيج في بطرس برج تهتف (أعطونا خبزاً)، وحتى الثورة التونسية التي كانت شرارتها ذلك البائع المتجول الفقير علي البوعزيزي ثم خروج أهالي منطقته الفقيرة محتجين بمطالب اقتصادية واجتماعية في الأساس قبل ان تتحول لسياسية بعد القمع العنيف من القوى الأمنية.

بل إننا شهدنا نزول الشعوب إلى الشوارع إحتجاجاً على سوء حالتها الاقتصادية في دول تتمتع بكل ((الحرية)) و ((الانتخابات النزيهة)) كما يحدث الآن في اليونان وأسبانيا، وكما حدث من قبل في عام 2001 في الأرجنتين حين نزل الشعب ثائراً على خطة تقشف أقرتها الحكومة ((المنتخبة بكل ديموقراطية)) بعد زيادة البطالة والفقر وديون الدولة، مما أدى بالرئيس فيرناندو دي لاروا للهرب من قصره في هليكوبتر وتوالى بعده ثلاث رؤساء في بضعة أشهر.




"من يتصور أننا يجب أن نتوقف عن الكلام، والجدل، والسعي لدستور أو انتخابات، وأن نوجه جهدنا للفقراء، إنما يضرب الفقراء بفقر دكر، لن يزول عنهم أبدا، فلا عدالة اجتماعية، ولا أجور عادلة، ولا وظائف متاحة، ولا تأمين صحياً محترما، ولا سكن آدمياً دون ديمقراطية، ودون دستور، ودون انتخابات حرة!"

مرة أخرى أسلوب وضع الثنائيات والاستقطاب بلا مبرر .. لا أنا ولا أي أحد غيري قال بأننا يجب أن نتوقف عن السعي للدستور والانتخابات من أجل توجيه الجهد للفقراء!!


ولكن ربما فعلا أنا أتحمل جانباً من مسئولية سوء الفهم الذي حدث عند البعض في هذه النقطة لأن تدوينتي الأولى كانت عاطفية جداً تلقائية جداً فلم يخطر ببالي توضيح ذلك بشكل كاف، رغم أنه مذكور فيها ضمنياً أني أنا نفسي تظاهرت واعتقلت من أجل هذه المطالب.

خلاصة ما أدعو إليه بوضوح هو أن النضال لاستكمال الثورة السياسية يجب أن يكون بنفس القدر بالضبط لتحقيق الثورة الاجتماعية والاقتصادية إن لم يكن بقدر أكبر، هذه المسارات بنفس الأهمية، متوازية لا متعارضة ولا ينفي أحدها الآخر أبداً، بل كلاها يدعم الآخر، ولكن في رأيي إن كان لأحدها السبق فهو ما يمس الناس في حياتهم الفردية المباشرة أولاً، على الأقل لأن هذا هو ما سيجعلهم يثقون في مصداقية من يدعوهم لدعمه في المطالب السياسية .. ماذا لو تم توجيه نصف الوقت والجهد والنقاشات والإعلام والنضال حول قضية الدستور نحو قضية الحد الأدنى العادل للأجور؟

كل القوى السياسية التي صدعتنا بكثرة الحديث والشجار حول الدستور والانتخابات وهوية الدولة ....الخ لم نسمع لهم صوتاً يعترض على اقرار موازنة مصر الثورة بنفس أسلوب موازنة ما قبل الثورة، حيث تظل الأولوية للأغنياء على حساب الفقراء ومحدودي الدخل، فالدولة التي لا تكف عن الشكوى من ((المطالب الفئوية)) للعمال الغلابة - ويدعمها الكثير من "النخب" بالصمت أو التأييد الصريح! - كانت أول من رضخ للمطالب الفئوية للأغنياء، فألغى وزير المالية مشروع الضريبة العقارية وضريبة الأرباح الرأسمالية، وفي المقابل أبقى دعم رجال الأعمال بالمليارات عبر أسعار الغاز المخفض لمصانعهم وعبر صندوق دعم الصادرات.

ولم يثر هذه القضية الكارثية إلا القليل من الصحفيين المهتمين الذين ضاع صوتهم المنخفض وسط ضجيج وزحام القوى السياسية:

نصيبنا من كعكة الاقتصاد - وائل جمال



"يا فرحتي إذا صدر قانون بحد أدنى للأجور أو تعيين مليون شاب بكرة الصبح أو تحويل حكر أبو دومة وبطن البقرة إلى منتجعات لسكانها، بينما لا نستطيع أن ننتخب حكامنا بحرية أو أن يضع الشعب دستورا معبرا عنا جميعا"

مازلت أؤكد على أني لا أعرف احداً تحدث عن تناقض بين نوعيّ المطالب كما يوحي هذا الكلام، ومع ذلك أظن أن تلك العبارة ستكون أقرب للصواب لو عكسنا نتيجتها ! .. تعيين مليون شاب بكرة الصبح أو تحويل حكر أبودومة وبطن البقرة إلى منتجعات هو ما سيجعل الناس أكثر حصانة ضد الرشاوى الانتخابية وأكثر اهتماماً بالدستور والانتخابات، وهذا ما نصت عليه نظرية هرم الاحتياجات للعالم إبراهام ماسلو عام 1943 حيث قاعدة الهرم هي الاحتياجات الأساسية التي ينتقل الانسان بعد إشباعها إلى ما تلاها



عندما يكون الشخص غير قادر على أشباع حاجاته الأساسية من طعام وشراب وزواج وحتى الإخراج - 54 % من سكان مصر خارج شبكة الصرف الصحي! - فلا نلومه عندما تصبح هذه الحاجات الماسة القريبة أهم عنده مليون مرة من الدستور، لو كان اهتم بمعرفة معناه أصلاً .

عندما نعود إلى الميادين يوم الجمعة أتمنى ألا ننسى أن الثورة للشعب كله، بكل مطالبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية بنفس الأهمية .. الشهيد أحمد بسيوني الذي كان سيناقش الدكتوراه في فن الفيديو لا يختلف في أي شيء عن الشهيد محمد عبدالحميد الذي كان يعمل في (بنزيمة) مقابل (التبس) .. لم يكن الأول من شهداء الثورة والثاني من البلطجية! المجد للشهداء .. كل الشهداء


تحديث::
هذا الفيديو وضعته صديقة في الكومنتس للمزيد من تأكيد حضور المطالب المعيشية من أول يوم، ويوضح هتافات بداية مظاهرات يوم 25 في العصافرة في الأسكندرية
http://www.youtube.com/watch?v=KJAJKG8U-Mw&playnext=1&list=PLF73D6A331AA1D042
هما مين وإحنا مين .. هما الأمرا والسلاطين .. وإحنا الفقرا الشقيانين
هما بيلبسو آخر موضة .. وإحنا بنسكن سبعة في أوضة
حسني بيه يا حسني بيه .. كيلو العدس بعشرة جنيه
آه يا حكومة هز الوسط .. كيلو اللحمة بقى بالقسط